الأزهري الذي أجمع العلماء على مكانته المرموقة د. محمد عبد الله دراز

الشيخ دراز

تعودنا في نهاية مناقشاتنا مع اساتذتنا الذين نلجأ إليهم في دراسة الأعلام وحركة التاريخ أن نحصل منهم على تقييم تقريبي للشخصيات التي تطرقنا إلى الحديث عنها في حوارنا، وهو تقييم إجمالي من الذي نستعمل له التعبير الإنجليزي all in all  المناظر للتعبير العربي الشائع  “كله على بعضه”، ومن الطريف أننا في حواراتنا مع أساتذتنا الأزاهرة لم نصادف شخصية حصلت على 100% في تقييم كل من سألناهم عن تقييمها إلا شخصا واحداً فقط كان هو الدكتور محمد عبد الله دراز، و بالنسبة لنا فإن هناك عاملا إضافيا قد لا يتصوره القراء و لا الأزاهرة وهو أننا ذات مرة سألنا المفكر المصري العظيم الدكتور حسين فوزي 1900-1988 وهو أكثر العرب اتصالا بالحضارة الغربية عن أكثر علماء الدين المعاصرين فهما للحضارة والانسان فأجاب بلا لحظة من تفكير باسم: محمد عبد الله دراز ، و قد كان هو نفسه بحكم اتصاله بالحياة الباريسية قد شهد صعود نجم دراز في سماء العلم والسوربون، كما أنه وهو مسئول عن المجلة الرفيعة القدر المسماة بالمجلة كان يفسح صدرها  صفحاتها لمقالات الدكتور محمد عبد الله دراز ، كذلك كان هذان العلمان الجليلان عضوين معا في المجلس الأعلى للإذاعة .

ومن الجدير بالذكر أن هذه الإجابة نفسها كانت هي إجابة والدنا رحمه الله حين سألناه في صبانا عن أنبغ أساتذة الأزهر الذين تلمذ لهم، فأجاب بلا تفكير: محمد عبد الله دراز، فلما سألته عن علاقة الدكتور دراز بكليتهم الشريعة أجابني بأنهم تلمذوا له بعد تخرجهم في كلية الشريعة أي في مرحلة العالمية و ما يسمى بشهادة تخصص التدريس حيث درس لهم علم الأخلاق.

والده وفضله هو في كتاب في والده

والده هو العلامة الشيح عبد الله دراز 1874- 1932 الذي اشتهر بشرحه لكتاب الموافقات للشاطبي في أصول الفقه، وهو كتاب عظيم لا يستطيع دراسته وفهمه إلا المتخصصون، وقد شرحه قبله الأستاذان محمد الخضر حسين 1876- 1958 ومحمد حسنين مخلوف 1861-1936 لكن الشائع والمتداول والمشهود به عن حق أن شرحه يتفوق على شرحهما. أما غير المشهور فهو أن الدكتور محمد عبد الله دراز كان هو من أشرف على طبع (الموافقات) الذي حققه والده، مع ما يقتضيه الطبع من قراءة التجارب، و أنه هو قام من قام بتخريج أحاديث ذلك الكتاب، تخريجًا موجزًا دلّ على مدى اهتمامه بعلم الحديث وتفوقه فيه منذ شبابه.

نشأته

ولد الدكتور محمد عبد الله دراز يوم 8 نوفمبر 1894 في محلة دياي مركز دسوق، مديرية الغربية في ذلك الوقت (محافظة كفر الشيخ الآن) ، و تلقي تعليماً دينياً تقليدياً من مستوى رفيع بحكم البيت الذي نشأ فيه ، فحفظ القرآن الكريم، والتحق بالمعهد الديني بالإسكندرية 1905 في عصره الذهبي و نال الشهادة الثانوية 1912 وكان أول القطر، ثم نال شهادة العالمية النظامية الأزهرية (1916) أي وهو في الثانية و العشرين من عمره، وكان الأول أيضا فعين مباشرة مدرسا في الأزهر.

في ثورة 1919

في ثورة 1919 طاف الدكتور محمد عبد الله دراز بالسفارات الأجنبية بالقاهرة متحدثا باللغة الفرنسية التي أصر على تعلمها آنذاك ليشرح قضية بلاده لممثلي الدول الغربية ويروى أن ابن عمه الشيخ محمد عبد اللطيف دراز 1890-1977 الذي كان من أبرز زعماء الثورة هو الذي أشار عليه بأن يؤدى هذا الدور المرموق.

بعثته

في مطلع عام 1936 أدى الدكتور محمد عبد الله دراز فريضة الحج بعد أن تجاوز الأربعين، وفي العام نفسه حصل على منحة دراسية في البعثة الأزهرية إلى فرنسا للدراسة بجامعة السوربون، فأقام في فرنسا 11 سنة قضاها كلها في سبيل العلم واستيعاب الثقافة الغربية من منابعها الأصلية، كما شغل بإتمام رسالته للدكتوراة عن مبادئ علم الأخلاق في القرآن الكريم.

رسالتاه لدكتوراه الدولة

طبقا للنظام الفرنسي في دكتوراه الدولة فقد كان عليه أن يتقدم برسالتين: كانت الرسالة الصغرى: مدخل إلى القرآن الكريم أو “التعريف بالقرآن” ، وهي دراسة تمهيدية موجزة، والثانية وهي الرسالة الكبرى : الأخلاق في القرآن الكريم   La Morale Du Koran  ، قدم من خلالها رؤية متكاملة للنظرية الأخلاقية القرآنية في شقيها النظري والعملي واستخلص القواعد الأخلاقية من القرآن، وقدم مبادئها في صورة بناء معرفي نظري مترابط ومستقل عن كل ما يظن أنه يربطه بالمجالات القريبة منه، ومرتبط فحسب بميدان علم السلوك، و بعيدا عن اللجوء إلى الوعظ و الوصف. وقد نال الدرجة بمرتبة الشرف الممتازة في 15 ديسمبر 1947.

هل ألهمته باريس منهج دراسته؟

لم تكن أطروحة الدكتور محمد عبد الله دراز للدكتوراه بداية لعلاقته بموضوعها على نحو ما هو شائع في كل الكتابات المتاحة، وإنما تدلنا القراءة المرتبة لأعماله على أنه كان قد سبق له أن استخدم في كتابه “المختار” منهجه المتميز في مقاربة مثل هذا الموضوع من خلال التأليف الذكي المتكامل والأصيل، ثم جاءت دراسته الأكاديمية المنهجية للعلوم الإنسانية في صيغتها الحديثة فساعدته على أن يقدم عملا فريدا من نوعه وغير مسبوق و متسم بالمرجعية العالية وهو ما نجح فيه إلى حد ساحق، ولم لا؟ وهو قد عمل من أجله على نحو دائب ومتصل من الاطلاع الواسع على دقائق العلوم المستحدثة، مع القدرة على الربط بين مشكلات العصر والدين. يتصل بهذا ما وصف الدكتور محمد عبد الله دراز به من أنه مشغول باستنباط رأي لم يُسبق إليه، أو الكشف عن معنًى لم يأخذ حظَّه من دراسة السابقين، ولهذا فإنه لم يكثر من التأليف ولم يترك إلا أربعة عشر كتابا وبحثا.

رؤيته لمهمة العالم المسلم

كان الدكتور محمد عبد الله دراز يرى أن مهمة الباحث المسلم تتجاوز إحياء التراث ووصل ما انقطع منه إلى تحديثه والإضافة إليه، ولذلك شرع أيضا قبيل وفاته في كتابة مؤلف عن الميزان بين السنة والبدعة وأراد به أن يُحدث كتاب الإمام الشاطبي (الاعتصام) لكنه توفي قبل أن يكمله.

حماسه الموضوعي والعلمي للإسلام

لم يقع الدكتور محمد عبد الله دراز في إشكالية الذين يخلطون الحديث عن العلم بالجوانب الدينية، ومع هذا فإن حماسه الصادق لدينه كان ظاهرا للعيان، وقد روى هو نفسه للأستاذة عصمت عبد الجواد في الأهرام أن رئيس لجنة المناقشة عقب على تحمسه لدينه قائلاً: “إنك ولا شك تريد أن تجذبنا إلى الدين الإسلامي. أليس كذلك؟”

إيمانه بضرورة الإضافة إلى العلم

استعان الدكتور محمد عبد الله دراز على نجاحه الساحق فيما أنجزه بفهمه لحقيقة إيمانية جوهرية وهي  أن من واجبه الأسمى أن يضيف إلى العلم  بما يكتبه و إلا فلا، وهو المعنى الذي عبر عنه في المقدمة التي كتبها لسفره الجميل حيث قال:” فإذا لم يأت عملنا هذا بشيء جديد في عالم الشرق والغرب فلن يكون سوى مضيعة وزحمة وإثقالا”.

تنميته لقدراته الفكرية

  • سلامة إيمانه من قبل تبحره في العلم .
  • قراءاته الواعية في مختلف المعارف .
  • قدرته على الاقتصاد في الفكر
  • قدرته على الكتابة بلغة  طيعة .
  • انتقاؤه لكل ما يتصل بالرقائق والتربية .
  •  قدرته على جمال التعبير عن النظرية أو المفهوم أو الرأي .

ذكاؤه في عرض أفكاره في سياق عالمي وإنساني

كان الدكتور محمد عبد الله دراز حريصا على مقارنة ما وصل إليه من استنتاجات بآراء المفكِّرين والفلاسفة، وكان يستعرضَ أراء علماء الغرب ونظرياتهم، ثم يبينُ ما في النظرية أو الرأي من قُصُور أو خطأ، ويعقِّب على ذلك ببيان كمال النظرية الأخلاقية في القرآن الكريم.

عبقرية المراغي في إنابته عنه في المؤتمر العالمي للأديان

في أثناء وجود الدكتور دراز في بعثته، تلقى شيخ الأزهر محمد مصطفى المراغي دعوة لحضور المؤتمر العالمي للأديان في باريس عام 1939 فكلف الدكتور محمد عبد الله دراز بالنيابة عنه وتمثيل الأزهر والنيابة عن شيخه، وقد ألقى الدكتور دراز كلمة منهجية رائعة، وسوف نعرض موجزا لهذه الكلمة بعد قليل عند حديثنا عن رأيه في علاقة الإسلام بالأديان الأخرى، بيد أن الحديث لا يستقيم من دون الإشادة بعبقرية الإمام المراغي في تكليف الدكتور دراز بالنيابة عنه في هذه المهمة وهو لا يزال طالب بعثة. وقد سجل الدكتور محمد رجب البيومي ما عرف وقتها من أنه حين ختم الدكتور دراز كلمته أعلن السير فرنسيس رئيس المؤتمر أن كلمة مندوب الأزهر تُعَدّ الكلمة الرئيسية في المؤتمر، وأثنى عليها المُعَقّبون بما تستحق، وخصّتها الصُّحف الفرنسية بخُلاصة وافية، وأجمعت على أنها الكلمة الأولى في المؤتمر.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة