إيكاروس وحبل الفبركة

الفنان بيتر سارسغارد (يمين) وهايدن كريستنسين (يسار) في فيلم زجاج محطّم 2003 (مواقع التواصل)
الفنان بيتر سارسغارد (يمين) وهايدن كريستنسين (يسار) في فيلم زجاج محطّم 2003 (مواقع التواصل)

بحثت طويلًا عن فيلم أجنبي حتى هداني إليه بعض الأصدقاء، ومع كل قصة تتراءى لنا قصة -أو قصص- أخرى موازية، وفي المقارنات جلاء لأمور أو شحذ لفكرة أو توطئة لمستجدات، وثمة خيوط تستأهل الجمع بينها للحصول على صورة أقرب ورتوش أقل.

وقبل الفيلم، يعرّج الإعلامي عاصم بكري -في سيرته الذاتية- على طرف من أخبار محمد حسنين هيكل، وتحت عنوان “أنيس وهيكل” يكشف عن ارتياب أنيس منصور في حصريات هيكل، ويراه من صعاليك الفكر والسياسة، ثم لا يفكر في الكتابة عنه أو نقده تجنبًا للدخول في مهاترات لا طائل منها.

يقول بكري في صفحة 164 من كتابه (أنيس منصور كما لم يعرفه أحد) إن منصور كان يقول أمام الحاضر والغائب إذا ذُكر هيكل “هذا رجل غريب، فهو إذا ما حكى أي سر أو حكاية لا يعلمها سواه، اتخذ لها شهودًا اثنين أو ثلاثة، ودائمًا يكونون من الأموات فلا يمكن الرجوع إليهم للتأكد منها، ومن ثم يظل هو المصدر الوحيد الذي يمكن الرجوع إليه للتأكد من هذه الرواية أو تلك الواقعة”.

ليس ذلك فحسب، بل يعضّد بكري الصورة بموقف شخصي، ففي 1985 ذهب وأخوه عماد لإجراء لقاء صحفي مع مصطفى أمين، وكان يُفترض أن يُنشر اللقاء في صحيفة (عكاظ) السعودية، وجاء اللقاء بعد 3 أسابيع من نشر هيكل حوارات قديمة زعم أنه أجراها بنفسه مع روميل ومونتغمري، وأنه ادخرها في جعبته سنين عددا، إلى أن طاوعه قلبه في نشرها، واهتبل بكري الفرصة وطلب من أمين التعليق على ما ساقه هيكل.

لم يصعب على أمين فك الشفرة، قال بعد نوبة ضحك دمعت منها عيناه “هل من المعقول أن ينجح صحفي شاب في إجراء حوارات صحفية مع أكبر القادة العسكريين أثناء الحرب العالمية الثانية، ثم يُحجِم عن نشرها أربعين عامًا؟ أنا شخصيًا لو تأكدت من هذا لطالبت بنفيه تمامًا عن عالم الصحافة باعتباره أبلها أو مجنونا”، وبلع عمنا مصطفى أمين ريقه وتنحنح وضرب كفًا بكف ثم تابع “من المؤكد الذي لا ريب فيه أنها أحاديث مفبركة، كتبها قبل أيام من نشرها ولم يصبر عليها أيامًا وليس 40 سنة”.

في الصفحة التالية، يعلق أنيس منصور على كشف هيكل لأسرار وخبايا يحيط بتفاصيلها “هذه طريقة هيكل.. قبل أن تظفر منه بأيّ حقيقة متكاملة ينقلك على نحو مفاجئ لموضوع آخر وقضية جديدة أو زاوية مختلفة”. لو قفزنا قفزة أخرى على قفا هيكل -أو على شرفه إن شئت- إلى صاحب كتاب (50 عامًا في قطار الصحافة)، لأخبرنا موسى صبري بفهلوة هيكل في أكثر من موضع من هذا السِفر، وكيف أنه أجاد اللعب على حبال كثيرين، ولماذا لفظه السادات بعد أن كان ملء السمع والبصر بين يدي جمال عبد الناصر. لم يكن صبري بعيدًا عن الطريقة ذاتها، وهو القائل بالفُم المليان -وبأوسع من فُم الخليج- مقولته الممجوجة (نعم! أنا أطبّل وأزمّر).

أما الفيلم، فهو Shattered Glass إنتاج 2003 وينتمي لأفلام السيرة الذاتية، ويعرض طرفًا من سيرة الصحفي الشاب ستيفن غلاس، والذي استطاع أن يخدع عددًا من المجلات (هاربر، جورج، رولينغ ستون، ذا نيو ريببليك) بالعاصمة الأمريكية واشنطن. كان غلاس أصغر المحررين سنًا في ذا نيو ريببليك، يعمل تحت إشراف صحفي قوي يُدعى مايكل كيلي، ثم تشارلز لاين عقب الاستغناء عن خدمات كيلي. امتاز غلاس بأسلوب القصاصين والحكائين، ولقدرته على الحكي أكل الجو واستمرأ الحدوتة، خلط بين الواقع والخيال في العمل الصحفي.

أنجز 40 مقالة لصالح مجلة (ذا نيو ريببليك) المرموقة -وأرجوك لا تنسَ الـ40 سنة التي كمَر فيها هيكل مقالاته مع أباطرة الحرب العالمية الثانية- وأسهمه في الطالع و”الحياة بقى لونها بمبي”، أضحى اسمه كالطبل في المجلة وفي غيرها، هفوات بسيطة تزلُّ فيها القدم، لكن لكل جواد كبوة -وعلى طريقة بعض الظرفاء: ولكل حمار نزوة- والأمور تدور.

وبموجب القانون العرفي “تستطيع أن تخدع بعض الناس كل الوقت، وأن تخدع كل الناس بعض الوقت، لكنك لن تقدر أبدًا على خداع كل الناس كل الوقت”؛ ففي أول مايو/أيار 1998 ظهرت مقالة الأخ غلاس، حاملة عنوان [نعيم المخترق] ويتحدث فيها عن فتى من المخترقين/الهاكرز، وكيف أجبر شركة عملاقة في مجال الإلكترونيات على الإذعان لشروطه وتحقيق أحلامه، حتى إنهم تمسّكوا به وعيّنوه براتب خيالي.

هفوة واحدة قد تقضي على المرء، وهفوات لا حصر لها قد لا تؤثر فيه بالمرة، يفصل بين هذه وتلك يقظة شخص أو غفلة أشخاص، وقد يكون الرجل كبيرًا لأن من حوله أقزام، فيسهمون في توريطه ولو عن غير عمد، ويُعمِّق الحفرة التي سيسقط فيها إن تفطّن أحدهم له. بعد خمسة أيام فقط من هذا النعيم، أطل سؤالٌ برأسه، سؤال بنَّاء هدَّام، سؤال من خمسة أحرف؛ لماذا؟ كلمة قالها محرر مجلة (فوربس ديجيتال تول) موبِّخًا الصحفي بالمجلة آدم بيننبيرغ، لماذا لم تكتب هذا الكلام؟ قرأ بيننبيرغ المقالة واقتادته الصدفة البحتة للبحث عن الشركة العملاقة التي وظفت هذا المخترق، وإذا بالمفاجأة الأولى تقول إنه لا توجد شركة تدعى (جوكت ميكرونيكس) ناهيك من أن تكون شركة إلكترونيات فضلًا عن أن تكون عملاقة!

المفاجأة اللاحقة تمثلت في عدم إدراج شركة بهذا الاسم في السجل التجاري ولا الضريبي، ليس في كاليفورنيا فحسب وإنما في الولايات المتحدة كلها، توسّعت دائرة الشكوك لتشمل جميع الأسماء الواردة في المقالة، فلا وجود للمخترق اليافع إيان ريستيل، ولا للوسطاء ولا للمؤتمر الوطني للمخترقين، لم يسمع أحد في الولايات المتحدة بشيء مما سمعه الأخ غلاس.

في غضون 48 ساعة، نقض بيننبيرغ ما بناه غلاس في مقالته -علاوة على نسفه لما بناه في سنوات- وباءت كل محاولات إخفاء الفبركة، لم يستسلم غلاس وإنما ساير مديره تشارلز لاين وخصمه الجديد -الذي لم يكن ضمن حساباته- آدم بيننبيرغ أفندي! استمات غلاس في التمويه والكذب والتلون، لكن حبل الفبركة قصير؛ فاتسع الخرق على الراتق، وفي 11 من مايو/أيار 1998 فُصِل غلاس من عمله بعد يوم من نشر بيننبيرع مقالة فنّد فيها أكاذيبه ومزاعمه، وأسدِل الستار على حياته الصحفية، وحاول العمل في مجال المحاماة بشهادته الجامعية، وفي 2003 أصدر روايته (المُخْتَلِق The Fabulist).

وبعد الفيلم، كيف غاب عن كثيرين كشف ألاعيب هيكل؟ وهل انتهى هيكل أم ثمة هيكل -بل هياكل- في مؤسسات ومراكز صنع القرار؟ وكيف لم تستوعب (دير شبيغل) الدرس وسقطت نهاية 2018 في فخ كلاس ريليوتيوس Claas Relotius النسخة الجديدة من ستيفن غلاس؟!

خدع ريليوتيوس خبراء الصحيفة التي يتابع نسختها الإلكترونية 6 ملايين ونصف المليون قارئ، وحصد جائزتين من شبكة (سي إن إن) الأمريكية سنة 2014، وحاز جائزة مراسل السنة في ألمانيا 2018، وتربع على عرش المراسلين، ولم يخطر بباله أن يفقد المجد والشهرة، ولم يكن ليتراجع عن درب الاختلاق والتضليل المتعمّد؛ فأكاذيبه تنطلي على الناس، بل ويحصد الجوائز.

الألماني كلاس ريليوتيوس بعد تسلمه جائزة الحرية في 2017 (مواقع التواصل)

ولأن لكلِّ ساقطةٍ لاقطة، وعلى نسق بيننبيرغ في رصد اختلاقات غلاس، فقد سار الصحفي خوان مورينو وانتهج السبيل ذاته؛ فلم يطمئن لصحة ما يكتبه زميله ريلوتيوس، وأخذ على نفسه عهدًا أن يمعن في الفحص، ويتعمّق في البحث، وتوّصل إلى حقائق كشف بها زيف ريليوتيوس، ووضع الخبراء والصحيفة نفسها في موقف حرج. رحلة واحدة جمعتهما على الحدود الأمريكية المكسيكية، وقع على إثرها ريلوتيوس في شر أعماله.

ولأن الهموم لا تأتي فرادى؛ فإن ريليوتيوس واجه -مطلع 2019- تهمة اختلاس تبرعات القراء، فضلًا عن واجه قائمة اتهامات قضائية رفعتها ضده “دير شبيغل”، وإن تكاثرت الظباء على خراشٍ؛ فقد تكاثرت القضايا والتهم على ريليوتيوس، وبات طريد العدالة والصحافة معًا.

إن سافرنا عبر الزمن فإن آخرين سبقوا ستيفن غلاس وكلاس ريليوتيوس في هذا المضمار، منهم الصحفي السويسري، توم كومر، وكان ينشر في ألمانيا وسويسرا لقاءات أجراها مع براد بيت، شارون ستون، مارك تايسون، وفي سنة 2000 تبيّن أنه اختلق حواراته الصحفية من مخيلته الواسعة، كما لم يكن هيكل الأول في المضمار -سبقه كثيرون منهم الأسطوري إيكاروس- ولن يكون ريلوتيوس الأخير، وسيسقط المتلاعبون بالعقول ولو بعد حين، والحبل على الجرار، لكن شيئًا من الحذر قد يقلل نسبة ظهور الفهلوية ويهمِّش تصدرهم المشهد.



حول هذه القصة

تمضي الأيام متشابهات في كرّها وفرّها، نقابل وجوهًا ثم تتباعد الدروب، وقد تجمعنا الصدف -ويا عيني ع الصدف يا عيني- فتحملنا على جناحها، وتطوف بنا في فضاءاتها، نتنشّق عبير الأيام الخوالي وندوزن عليها.

أخرج صديقي الصحفي ربيع الشيخ هاتفه بفخر لا مثيل له، وقال سأريك صورةً وقل لي رأيك! قلت: هات! وصاحبي هذا له ذوقٌ في انتقاء الصور، يجعلك تتمنى في نفسك الأمنيّات، ترجو أن تتحول الصور إلى واقع.

التجديد سنة الحياة، يتعين علينا أن نجدد ما وسعنا التجديد، ليس من باب كسر الروتين ودفع الملل فحسب، وإنما لأن بيننا نماذج حية تستأهل أن تأخذ حظها من الوجود والانتشار، وألا يستأثر القدماء بالجمل وما حمل.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة