عام في القصر: أسرار تنشر لأول مرة عن الرئيس مرسي [الحلقة الثانية]

لم تتوقف جماعة الإخوان المسلمين بعد ثورة 25 يناير عن الإعلان أنهم لن ينافسوا على الانتخابات الرئاسية.

تقرير: سليم عزوز

فمرة يأتي التصريح على لسان “خيرت الشاطر”، الرجل القوي في الجماعة، ومرة يأتي على لسان الدكتور “عصام العريان”، ومرة يأتي على لسان آخرين من قيادات الإخوان، وكان يجري ترويج هذا الوعد القاطع في وسائل الإعلام، حتى أمسى لا يثير الانتباه وباعتباره “تحصيل حاصل” فهو أمر مقطوع به ومن ثم فقد الوعد جاذبيته بالتكرار.

عصام العريان (يمين) وخيرت الشاطر

لقد عقد مكتب الإرشاد اجتماعاً قبل تنحي مبارك بيوم واحد، وخرجوا منه بقرارين: الأول أنهم لن ينافسوا على الانتخابات البرلمانية إلا في حدود 30 % من المقاعد، والثاني هو ألا ينافسوا على الانتخابات الرئاسية، ويبدو واضحاً أنها كانت رسالة لتحفيز أركان حكم مبارك على التخلي عنه، فربما يكون التمسك به سببه الخوف من شعبية الإخوان، ومن أنهم سيهيمنون على الحياة السياسية في البلاد، فكان هذا الاجتماع، وهذا القرار، الذي يعد سابقاً لأوانه، مما يعزز الشعور أنه كانت رسالة طمأنة أكثر منها أي شيء آخر كانت مطلوبة منهم كما سنوضح بعد قليل.

ولا أعتقد أن الجماعة هنا كانت قد عقدت النية على النكوص بالعهد، لكن هل كان تكرار هذا الوعد في التصريحات المتواترة مناورة سياسية لغواية المجلس العسكري فيغادر السلطة، وبدا في أكثر من مناسبة متمسكاً بالاستمرار، فخالف عهدا قطعه في ليل التنحي، بألا تستمر الفترة الانتقالية أكثر من ست شهور، فاستمرت لسنة ونصف السنة، ولم يغادر إلا بقوة الدفع الثوري، فقد خرجت مظاهرات كثيرة، وفي مناسبات مختلفة تهتف بسقوط حكم العسكر.

وكان لافتاً أن الإخوان أخلوا بالوعد الأول، الخاص بعدم المنافسة على أكثر من 30 % من مقاعد البرلمان، فقد نافسوا على أكثر من هذا، وعلى القوائم والمقعد الفردي، رغم وعد جديد بأنهم لن ينافسوا على المقاعد الفردية، ويبدو هذا الوعد المقطوع هو لدفع المجلس العسكري إلى إلغاء النص الذي يمنع الأحزاب السياسية من المنافسة على المقاعد الفردية، وكان النص يقول بعدم جواز هذا، وقد دعا حزب الوفد والإخوان لمظاهرات ضد هذا النص المانع، ومن قلب المظاهرات كان تصريح الدكتور عصام العريان لوسائل الإخوان، إن الجماعة لن تنافس على المقاعد الفردية، لكنها مع هذا ترفض هذا الشرط المانع، وهذه العتبة غير المبررة، لكن باستجابة المجلس العسكري لهذا المطلب، خاض مرشحو الإخوان الانتخابات على المقعد الفردي أيضاً، كما بدوا بدون منافس حقيقي في انتخابات مجلس الشورى، التي حصدوا فيها الأغلبية.

في مقابلة صحفية لي مع عضو مجلس شورى الإخوان “أمير بسام”، أرجع السبب في عدم التزام الإخوان بوعدهم، أنهم كان يعتقدون أن الانتخابات ستكون فردية، وهنا يمكنهم التحكم في عملية الترشيح للحصول على ثلث المقاعد كما وعدوا، لكن كونها كانت بالقوائم، فلم يمكنهم ضبط أعداد المرشحين ومن ثم التحكم في الأمور!

بيد أنهم نافسوا على المقعد الفردي، والإجماع يكاد يكون منعقدا بين الفصائل السياسية على أن المجلس العسكري أحدث ثغرة بالسماح للحزبيين بخوض الانتخابات على المقعد الفردي، ليتمكن بعد ذلك من حل مجلس الشعب.

وقد ذكر لي الدكتور سيف الدين عبد الفتاح أن المشير طنطاوي كان متعمداً ذلك، والدليل أنه في اجتماع للمجلس العسكري مع القوى السياسية حضره الدكتور سيف، حذر المستشار طارق البشري نائب رئيس مجلس الدولة السابق، من مغبة ذلك، معلناً أن هذا نص يحمل عواراً دستورياً، لكن المشير حصل على تطمينات من رئيس المحكمة الدستورية وكان حاضراً الاجتماع، ومن حاتم بجاتو رئيس هيئة المفوضين بالمحكمة، بأن المحكمة لن تقضي بعدم دستورية النص، لكنهما أيضاً لم يفيا بما وعدا وتزيدت المحكمة فبدلاً من أن تكتفي بالقضاء بعدم دستورية النص، وفي حدود اختصاصها، وتحيل الدعوى مرة أخرى لمحكمة الموضوع، فإنها جارت على اختصاص محكمة القضاء الإداري وقضت بحل المجلس وبالمخالفة لأحكام سابقة أصدرتها بهذا الصدد!.

المشير محمد حسين طنطاوي وزير الدفاع والإنتاج الحربي(وسط) والمستشار طارق البشري (يسار) والمستشار حاتم بجاتو

لكن ملاحظتي على الأمر هنا، أن المجلس العسكري كان قد وضع النص المانع للحزبيين من المنافسة على المقعد الفردي في بداية الأمر، وأنه عدل عن ذلك، بناء على طلب الإخوان وحزب الوفد، وعدم اكتراث الأحزاب الأخرى بالأمر، فلم تؤيده ولم تعارضه، فليس لديها العدد الكافي للقوائم، حتى يشغلها المقعد الفردي، والذي نافس عليه في بعض الدوائر تحالف “الكتلة”، الذي شكله حزب المصريين الأحرار وضم عدداً من الأحزاب الليبرالية الصغيرة بجانب حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي اليساري!

الطمع:

أذكر بهذه المناسبة، أنني حذرت من “الطمع” الذي يبدد على الإنسان ما جمع، (بحسب المثل الشعبي بتصرف)، وكتبت مقالاً قلت فيه إن السماح للأحزاب بالمنافسة على المقاعد الفردية من شأنه أن يمثل ثغرة يدخل منها الشيطان، فلدينا تجربة مماثلة في برلمان سنة 1987، الذي جمع بين المقعد الفردي والقائمة الحزبية، وقضت المحكمة الدستورية بعدم دستورية القانون، وتم حل البرلمان قبل عامين من اكتمال مدته بسبب هذا!

وإذا كانت ظروف الانتخابات بالقائمة هي التي حالت دون أن يفي الإخوان بوعدهم بأنهم لن يستهدفوا سوى 30% من مقاعد مجلس الشعب، فقد كانت ظروف الانتخابات هي التي مكنتهم من التحلل من الوعد، فيما يختص بمجلس الشورى (الغرفة التشريعية الثانية) الذي لم يكن سوى الإخوان يملكون المرشحين لخوضه، وهو مجلس ومنذ تأسيسه لا يجد من يتهافتون على عضويته، إلا في حالة خسارة عضوية مجلس الشعب، ولم يحدث أن اهتم الإخوان بالمنافسة عليه، أو كان لهم نائباً فيه في أي دورة، بل إن أحزاب المعارضة نفسها لم تكن تنافس على عضويته، لأنه من ناحية ليس برلماناً يملك جميع الأدوات البرلمانية، ومن ناحية ثانية فإن الدائرة الواحدة تضم ما بين دائرتين إلى ثلاثة من دوائر مجلس الشعب!

ثم إن المجلس العسكري قد أقدم على خطوة غريبة، لا تصب إلا في صالح الإخوان، نظراً لأنه الكيان السياسي القادر على الدفع بأي عدد مطلوب للترشيح، وهذه الخطوة تمثلت في تحديد موعد فتح وغلق باب الترشيح لعضوية الشورى، في ذات الموعد وأمام نفس لجان تلقى طلبات الترشيح الخاصة بمجلس الشعب، واهتمت الأحزاب والقوى السياسية بهذا المجلس، ولم تكترث كثيراً بالشورى، وذلك رغم أن هناك فاصلا زمنيا بين موعد انتخاب البرلمانين، فما هي الضرورة لذلك، وتأجيل فتح باب الترشيح قبل الانتخابات سيمكن من لم يحالفه الحظ في الشعب بخوض انتخابات الشورى!

لقد وجد الإخوان أن الفرصة مواتية للاستحواذ على الأغلبية المريحة في مجلس الشورى فلم يفوتوا الفرصة، ووجدوا أن الظرف مناسب للتحلل من وعدهم السابق، فامتلكوا الأغلبية في الغرفتين البرلمانيتين، وكان رئيسا المجلسين من الإخوان: سعد الكتاتني وأحمد فهمي، فلم يجاملوا القوى الأخرى برئاسة أحدهما وليكن الشورى، الذي بدا في البداية أنه مجلس للوجاهة الاجتماعية، قبل الحاجة إليه بعد حل مجلس الشعب، فأوغروا الصدور. ثم جاء قرار خوضهم للانتخابات الرئاسية ليشعر القوى السياسية الأخرى أنه لا أمل لها في شيء في ظل وجود هذه الجماعة الكبيرة.

رئيس برلمان الثورة سعد الكتاتني (يمين) ورئيس مجلس الشورى أحمد فهمي

ومع هذا الإخلال بالوعود، فإن أحداً لم يكن يعتقد بأن الإخوان يمكن أن يخلفوا وعدهم بعدم المنافسة على الانتخابات الرئاسية، لأن هناك تصورا بأن عقدة الأمر ليست بيد الجماعة، فهناك القوى الخارجية (الأمريكية تحديداً) لن توافق على أن يكون الرئيس من الإخوان، وهناك الجيش أيضاً، أو المجلس العسكري الذي لن يقبل برئيس إخواني.

مرشح المجلس العسكري:

وطيلة الفترة التي حكم فيها المجلس العسكري، فقد كان يغير مرشحه بين الحين والآخر، فأطلق اسم كل من الوزير السابق منصور حسن، والسفير نبيل العربي، كما أطلق أسماء أخرى، من الملاحظ أن كلها مدنية، فلم يكن الخيار أبداً عسكريا والجماهير تهتف في الميادين بسقوط حكم العسكر، وإذا كانت قد ضنت على المشير طنطاوي بالاستمرار في الحكم، فلماذا يقوم بتمكين من هو أقل منه رتبة من العسكريين؟

وإذا كان الثوار يطالبون بسقوط حكم العسكري كله، فما الذي يدفعه للبحث عما هو أحدث منهم رتبة، والنية عنده متجهة في الاستمرار وزيراً للدفاع، وهناك حرج استشعره مبارك عندما عين أحمد شفيق رئيساً للحكومة إبان الثورة، فلما وجد من غير اللائق التذكير برتبته العسكرية فريق في حكومة يعد المشير عضواً فيها، كان يسبقون اسمه في وسائل الإعلام بلقب الدكتور، ليعلم الرأي العام، لأول مرة أن الفريق أحمد شفيق، حاصلاً على الدكتوراه!

فمسألة الرتبة والأقدمية لها اعتبارها عند العسكريين، ثم إن هناك وداً مفقوداً كان بين المشير وأبرز العسكريين الذين قرروا الترشح سواء اللواء عمر سليمان، أو الفريق أحمد شفيق!

الخيار الأفضل عند المشير هو أن يكون الرئيس مدنياً، عندها تسقط فكرة الرتب والأقدمية، فقد كان وزير الدفاع دائماً عضواً في حكومات يرأسها مدني ولم تكن هناك غضاضة في ذلك!

وفي كل مرة كان المجلس العسكري يطلق اسم مرشح كانت إشارات الإخوان، أنه سيعتبرونه مرشحهم، وقد حكمتهم نفس عقدة العسكريين، فما دامت الجماعة لم ترشح أحدا، إذن فلم يكن خيارهم هو مرشح مدني متوافق عليه، وليس مرشحاً اسلامياً.

وزير الإعلام المصري الأسبق منصور حسن (يمين) والسفير نبيل العربي والفريق أحمد شفيق

كان الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح، قد استقال من الجماعة وأعلن ترشحه للانتخابات الرئاسية، وذلك لأن الجماعة كانت قد قررت عدم خوض الانتخابات، وُيروى أنه كان أحد الذين دفعوا الجماعة في اتجاه عدم ترشيح أحد، فهل كان “يوسع لنفسه”، لأنه لا يضمن أن يكون هو مرشحها، فلم يكن الرجل القوى داخل التنظيم، فعندما يُذكر الرجل القوي فلابد من أن تلتفت الأبصار تلقاء المهندس خيرت الشاطر، ثم إنه لم يكن في أي ترتيب سياسي داخل الجماعة، ومن أول رئاسة حزب الحرية والعدالة، إلى رئاسة البرلمان بغرفتيه!

هذا فضلاً عن أن دفع للجماعة في اتجاه عدم ترشيح أحد سيجعل من الصوت الإخواني من نصيبه هو، فهل هذا من بين أسباب ترشيح الإخوان من يُسقط عبد المنعم أبو الفتوح، الذي التف حوله شباب الجماعة.

هاجس أردوغان منع الإخوان من تأييد أبو الفتوح

لقد حصل أبو الفتوح على رصيد إضافي، بإعلان الشيخ يوسف القرضاوي تأييده له وهي دفعة معنوية هائلة، ثم إن كثيرين ممن كانوا قد قرروا انتخاب الدكتور البرادعي، انصرفوا بوجوههم تجاه عبد المنعم أبو الفتوح عندما قرر البرادعي عدم الترشح، لأنه كان يبدو ليبراليا داخل تنظيم الإخوان، ويذكرون له أنه زار الروائي نجيب محفوظ في المستشفى عندما تعرض لمحاولة اغتيال من قبل الجماعات المتطرفة، ثم إنه ليس منقطع الصلة بالقوى السياسية الأخرى التي زاملها في الجامعات، ويأتي خروجه من الجماعة ليرفع عنهم الحرج في عملية تأييده!

كان أبو الفتوح هو “الحصان الرابح” في هذه الانتخابات، وهو ما أقلق المجلس العسكري، إنه شخصية جادة، وصدامية إذا لزم الأمر، ولا يمكن أن يكون خيال مآتة في القصر، فكان لابد من إسقاطه.

كان أنصاره يقولون إنه “أردوغان مصر”، وما يعرف عن أردوغان أن حرر تركيا من حكم العسكر، وكانت الرسالة تصل إلى المجلس العسكري فيزداد توتراً، وانتظروا حتى قال مرة إنه لو ترشح مفكر بحجم الدكتور سليم العوا فسوف يتراجع عن فكرة الترشح، وفي اليوم التالي تم الإعلان عن خوض العوا للانتخابات الرئاسية!

في وقت سابق عندما سُئل سليم العوا (في حوار منشور) عن إن كانت لديه نية في خوض الانتخابات الرئاسية، فقال إنه لا يستطيع إدارة العاملين في مكتبه، فكيف يدير مصر، ولعل هذا هو ما دفع أبو الفتوح لهذا الإعلان مطمئنا بأن العوا لن يخوض الانتخابات، وحتى يقدم المثل على أنه لم يترشح بدوافع شخصية ولكن يفعل انتصاراً للفكرة.

كان خطاب العوا قد اختلف تماماً بعد أن ضمه المجلس العسكري للمجلس الاستشاري فخضع بالقول، وكان خطابه أقرب للثورة، لاسيما مداخلاته على الجزيرة في يوم موقعة الجمل، لكن بهذه العضوية، بالغ في الانحياز للعسكر، وكان معروفا أن له ارتباطات قديمة بالأمن، لم يكن يخفيها، لكن الأمن عنده كانت مباحث أمن الدولة، التي سقطت وانتهى دورها في الأيام الأولى للثورة، وهو الآن مدعو على مائدة أمنية جديدة!

يتردد أنه عندما أعلن عن خوضه للانتخابات الرئاسية أنه كان في الخارج، وعندما اتصل به أحد الصحفيين ليطلب استيضاحاً حول الإعلان، قال للوهلة الأولى: “هم أعلنوا”؟!

وكان واضحاً أنه مرشح المجلس العسكري، هكذا كان يرى الجميع، بمن في ذلك الشيخ يوسف القرضاوي، الذي قامت الثورة وفي نفسه غصة من تصرف سابق للعوا أمينه العام السابق في اتحاد علماء المسلمين، والذي أغلق مقر الاتحاد في القاهرة، وقال إن الأمن (هكذا) سمح بفتحه ثقة فيه هو، وأنه الآن وبعد تركه الاتحاد لا يثق في تصرفات الآخرين!

والحال كذلك لم يجد الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح نفسه مطالباً بأن يفي بوعده، وأنه مستعد للانسحاب إذا ترشح مفكر بحجم الدكتور سليم العوا!

الدكتور محمد سليم العوا(يمين) والدكتور عبد المنعم أبو الفتوح(وسط) والشيخ يوسف القرضاوي
معضلة الشيخ حازم أبو إسماعيل:

لم يكن عبد المنعم أبو الفتوح هو المرشح الوحيد من التيار الإسلامي، فقد كان هناك الشيخ حازم صلاح أبو اسماعيل، وقد كان عضواً أيضاً في جماعة الإخوان المسلمين، ولست بحاجة إلى إثبات عضويته الآن، فقد صار هذا معلناً ومعترفاً به، بعد محاولة إخفائه، وعندما صرح الدكتور عصام العريان، بأن الشيخ حازم ليس من الإخوان، وذلك لنفي أي صلة للإخوان بترشيح أحد للانتخابات الرئاسية، كتبت بل إنه من الإخوان.

فقد تذكرت أننا كنا في ضيافة والده الشيخ صلاح أبو اسماعيل عضو مجلس الشعب، في منزله بالدقي، في نهاية الثمانيات، وروى لنا ضاحكا ومبتهجاً أن الإخوان اخترقوه وضموا حازما إليهم!

وربما كان العريان يريد من وراء هذا النفي أن يقطع الطريق على الذين يمكن أن يقولوا إن الإخوان التفوا على وعدهم ورشحوا “من الباطن”، وربما كان يمنع – بهذا التصريح – انتخابه ممن قد يعتبرونه مرشح الإخوان!

فكرة خوض الانتخابات الرئاسية، راودت الشيخ حازم مبكراً، وبالتحديد في اللحظة التي تنحى فيها مبارك، وقال للدكتور صفوت حجازي، في ميدان التحرير، إنه يفكر في الترشيح، وعندما ذكره حجازي بموقف الجماعة، وقال له وهل تعتقد أن إخوانك سيوافقونك على ذلك؟ كان رده: هذا إن كنت وقتها في الإخوان؟!

لقد استقال بالفعل، وقرر خوض الانتخابات الرئاسية، لكن هل وصلت هذه المعلومة مبكراً للمجلس العسكري وأنه احتاط لهذا القرار؟!

في التعديلات الدستورية تم وضع شرط غريب وغير مسبوق ضمن شروط الترشح، وهو ألا يكون المرشح أو أي من والديه قد حمل جنسية دولة أجنبية، فحتى لو حملها لدقائق، أو تنازل عنها، أو حملها الأب أو الأم بدون علم الابن، أو كان الحامل قد فارق الحياة، بما يفقد من هاجس السيطرة على نجله لصالح الدولة التي حمل جنسيتها!

أما إنه شرط غريب، فلأن الدساتير المصرية المتعاقبة كان تكتفي بالنص أن يكون المرشح من أب وأم وجدين مصريين، فالمصرية هي الأصل دون التطرق إلى غير هذا.

كان سؤالي دائماً، الذي بحثت عن إجابته: أيهما كان سابقاً، وضع هذا النص، أم إعلان الشيخ حازم الترشح، حتى علمت بأمر حديثه مع الدكتور صفوت حجازي، في لحظة تنحي مبارك، وقبل ثلاث ساعات من تشكيل المجلس العسكري للجنة إعداد التعديلات الدستورية برئاسة المستشار طارق البشري، النائب السابق لرئيس مجلس الدولة!

إنني أعلم أن القضاء القديم لمجلس الدولة يضع شروطا للوطنية، تنحى إلى الغلو، وتميل إلى التطرف، ومسكونة دائماً بهاجس الهيمنة الخارجية والسيطرة الدولية، ومع أنه لم يحدث في تاريخ الجاسوسية أن مصريا اتهم بالتجسس على بلاده كان يحمل جنسية دولة أجنبية، لكن هذا الشرط يعد مقبولاً لو كان صاحبه المستشار البشري، لكن هل هو من بنات أفكاره، أم إنه جاء كعرض من قبل آخرين، لاسيما وأنهم كانوا يعدون التعديلات قبل الإعلان عن الترشح للانتخابات الرئاسية، فلم ينتبه أنه ولكونه يستهدف أحدا بعينه، يفتقد لخصائص القاعدة القانونية، التي هي عامة ومجردة.

ومع هذا الاحتياط، فقد مثل الشيخ حازم قلقاً للمجلس العسكري، بشعبيته الجارفة، وخطابه الواضح والحاد، والمنحاز بقوة للثورة بقدر رفضه للمجلس العسكري، الذي وصف أعضاءه في وقت لاحق بأنهم ثعالب.

الشيخ حازم صلاح أبو إسماعيل (يمين) والدكتور صفوت حجازي
مهمة العوا:

كان من مهمة الدكتور سليم العوا، هو تفتيت الكتلة التصويتية للإسلاميين، وفي هذه الأجواء كان قرار الإخوان بخوض الانتخابات الرئاسية، وليس واضحاً أن المجلس العسكري دفع بهم لذلك بشكل مباشر، فمن الواضح أنه وصلتهم إشارات من المجلس بأنه لا يمانع في أن ترشحيهم ، دون التورط في ذلك بشكل صريح، والدليل أنهم لم يكونوا على يقين من إمكانية تمرير ترشيح المهندس خيرت الشاطر، فوقع الاختيار على مرشحين بديلين، ولو كانت الموافقة واضحة لأمكنهم الدخول في صفقة ويشرطوا إزالة المانع القانوني الذي يهدد برفض طلب ترشيح الشاطر، فمن الشروط الواجب توافرها في المرشح الرئاسي، ألا يكون قد حكم عليه في جنحة مخلة بالشرف، أو جناية، ما لم يكن قد رُد عليه اعتباره، ورد الاعتبار يكون بأحد أمرين: إما اسقاط العقوبة بقانون، أو انتظار فترة زمنية تتفاوت بحسب نوع الجريمة، وكان الشاطر قد حصل من المجلس العسكري بفضل الثورة، على العفو، لكن رد الاعتبار كان يلزمه إجراء آخر، كان يملكه الإخوان عن طريق البرلمان الذين يملكون أغلبيته، لكن هذا يستدعي رغبة بذلك من قبل المجلس العسكري، ولأن الطلب لم يكن صريحاً، فلم يكن لهم أن يرجوه في هذا، كما لم يكن المجلس الأعلى للقوات المسلحة يرى نفسه مطالباً بشيء من هذا!

وصلت الإشارات بأنه “لا مانع” لدى المجلس العسكري بأن يكون للإخوان مرشح للرئاسة وقام السلفيون بدور “مرسال الغرام”، ليس فقط من حزب النور، ولكن من فصائل سلفية أخرى دفعت في هذا الاتجاه، ففهم منها الإخوان ضمناً بأن هناك ضوءاً أخضر لهم بالمنافسة في الانتخابات الرئاسية، وإن حدد السلفيون هذا المرشح وهو شخص خيرت الشاطر، وهو الأمر الذي يعني سقوط المانع القديم..

فالمجلس العسكري أرسل رسولاً للإخوان قبل تنحي مبارك، بأن الرئيس لديه رغبة في التنحي، لكن الولايات المتحدة الأمريكية لديها تخوف من أن يهيمن الإخوان على الحياة السياسية، فكان هذا الاجتماع غير المبرر (لمن لا يعرف هذه المعلومة) قبل تنحي مبارك بيوم واحد لإعلان عدم رغبتهم في الاستحواذ على البرلمان، أو الترشح للرئاسة، وظلوا بعد التنحي يرددون هذا، وفيما يختص بالبرلمان رفعوا شعار: “مشاركة لا مغالبة”، ودعوا إلى قائمة موحدة للثوار، لكن حدث خلاف بينهم وبين حزب الوفد، فخرج من التحالف ثم تقلص عدد الأحزاب المشاركة في القائمة من (44) حزباً إلى (14) حزباً بعضها مثل بمرشح واحد، ليس في مجلس الشعب ولكن في مجلس الشورى.

عدم الممانعة الأمريكية:

تردد أن إدارة الرئيس أوباما أبلغت الإخوان أنه لا مانع لديها من دخولهم للانتخابات الرئاسية، فقد قدموا “عربون محبة”، تمثل في كونهم جزءاً من صفقة الإفراج عن المتهمين الأمريكيين في قضية التمويل الأجنبي، والذين تم استدعاء قاض غير مختص، لإلغاء قرار لقاض آخر بمنعهم من السفر، ولأن الأمر مثل فضيحة مكتملة الأركان، فقد حاول البرلمان أن يستر بطرف الثياب العورات التي تبدت للناظرين، فاستدعى وزير العدل لاستجوابه على ذلك، لكن الوزير صرح بأنه لا علم له بالموضوع، فلما استدعوا رئيس الحكومة كانت المفاجأة إعلانه أنه ليس طرفاً في الأمر، وكان كل هذا لكسب الوقت وامتصاص غضب الجماهير، التي كانت تعلم من وقف وراء قرار المنع من السفر، وأنه هو نفسه من وقف وراء إلغائه وهو المجلس الأعلى للقوات المسلحة “الحاكم”، وكان لافتا صدور شكر من قبل الإدارة الأمريكية للإخوان، على دورهم في تمكين المتهمين الأمريكيين من السفر، دون معرفة حدود هذا الدور، وهل كان في عدم التعامل الجدي من قبل البرلمان مع هذه الفضيحة؟!

الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما

إن نفراً من السلفيين المستقلين يرجعون تحريضهم للإخوان على أن يكون لهم مرشح، أنهم في لقاء جمع عدد منهم مع الشيخ عبد الرحمن البر (إخوان) في منزل أحد السلفيين الكويتيين سألوه بشكل صريح: هل يمكن للإخوان أن يصوتوا لصالح مرشح إسلامي من غير الإخوان؟ فكانت الإجابة بالنفي، ومن هنا وجدوا أنه لا مندوحة من أن يكون للإخوان مرشحهم، حتى لا يتفرق الصوت الإسلامي بين المرشحين، ويفقد قيمته!

 لكن في المقابل أيضاً فإن منهم من لم يكن يروق له الشيخ حازم، وقد حرضهم المجلس العسكري عليه، ولم يكن قد اهتدى لفكرة إبعاده من الترشيح أو القدرة على ذلك، فلم تكن هناك رغبة من الشيخين محمد عبد المقصود وفوزي السعيد لترشيحه أو فوزه، ولقطع الطريق عليه فلابد من أن يكون المنافس الإسلامي من الإخوان.

 كان من رأي الشيخ فوزي أنه بهيئته قد يدفع لاستدعاء الغرب على مصر والإسلاميين.

بيد أن سلفيي حزب النور، وبعد أن ورطوا الإخوان في خوض الانتخابات الرئاسية، لم ينتخبوا مرشحهم، فقد قالوا إنهم أعطوا وعداً لأبو الفتوح بأنهم سينتخبونه، وفي جولة الإعادة بين الدكتور محمد مرسي والفريق أحمد شفيق، كانت أصواتهم لصالح مرشح الدولة القديمة، وهو ما تسرب بعد الانتخابات، فقد ذهب بعض قادتهم إلى شفيق لإبرام صفقة معه.

لقد كان سلفيو حزب النور في مهمة أمنية، فأعلنوا عن تأييد مرشح للإخوان، لإسقاط عبد المنعم أبو الفتوح، وأعلنوا انحيازه للأخير للتخلص من حازم أبو اسماعيل، وتعامل جماهيره مع قرار إبعاده في وقت لاحق، على أنه ليس مشكلة كبيرة، وهناك مرشحون آخرون، وبطبيعة الحال لم يكن مقبولاً أن يؤيدوا سليم العوا، نتيجة ارتباطاته بالإيرانيين، وفي النهاية لم ينتخبوا أحداً من المرشحين الإسلاميين ولكنهم انتخبوا مرشح الدولة العميقة!

ومهما يكن، فقد كان للإخوان مبرراتهم الخاصة، حتى وإن تأكد دور حزب النور منذ البداية، فهناك جانب آخر لتواتر تصريحاتهم بعد خوض الانتخابات الرئاسية، يتمثل في الحذر من ألا يوافق المجلس العسكري على إجراء الانتخابات، ألا وقد تم تحديد مواعيدها، فلا خوف من التراجع، وكان بينهم وبين المجلس العسكري توافق على ضرورة إسقاط عبد المنعم أبو الفتوح، فلم يكن غريمه في الجماعة المهندس خيرت الشاطر، ورجلها القوي يتصور فوزه بالرئاسة، وأنه إذا كان بعض شباب الجماعة قد التف حوله، لا يمكن استدعاؤهم من هناك إلا بمرشح للجماعة، وربما كانت الرغبة في إسقاط أبو الفتوح مقدمة عند الجماعة على نجاح مرشحهم!

ذلك لأن ثقافة الاخوان تمنعهم من التعاطي مع من ترك الجماعة، ولو تحت سياط التعذيب، ثم إنهم يعتبرون أبو الفتوح ورفاقه من جيل السبعينات، وإن نسب إليهم الفضل في البعث الثالث للجماعة بعد خروجهم من سجون عبد الناصر، فلم يتم التعامل مع جيل أبو الفتوح على أنه جزء أصيل من جسم الجماعة، فهم لم يمروا بعملية الترقي الطبيعي داخل الجماعة، من خلال منهج التربية، ولهذا يُطلق عليهم “إخوان عمر التلمساني”، المرشد العام الثالث، الذي تولى موقعه للضرورة، وباعتباره قادراً على مد جسور الصلة مع السلطة، وكانت الإدارة الحقيقية بيد سدنة المعبد، ورجال التنظيم.

ولا يمكن تجاهل الود المفقود بين الرجل القوي في الجماعة خيرت الشاطر، وعبد المنعم أبو الفتوح.

وكل هذه عوامل كانت سبباً في عدول الجماعة عن قرارها السابق بعدم خوضها الانتخابات الرئاسية، وإن كانت قد عرضت على شخصيات مرموقة الترشح مثل المستشار محمود مكي، والمستشار طارق البشري، والمستشار حسام الغرياني، فاعتذروا جميعاً، ولم يفكروا في اعتبار أن أبو الفتوح هو مرشحهم للأسباب سالفة الذكر، وهناك سبب آخر يضاف إلى هذه الأسباب، هو أن أبو الفتوح كان يتوقع له أن يكون أردوغان جديد، يتفوق على أستاذه أربكان، ويصبح هو أكبر من الفكرة التي جمعتهم، أو الأكثر تعبيراً عنها.

التهديد بحل البرلمان:

يبرر الإخوان خوضهم للانتخابات الرئاسية بالتهديد الذي صدر من رئيس الحكومة كمال الجنزوري بأن حكم حل مجلس الشعب في درج مكتبه، وذلك في معرض الخلاف بينه وبين البرلمان الذي حرص على استجوابه بعد حادث بور سعيد، وإن كان الجنزوري نفى في العلن أن يكون قد هدد بذلك، لكن تواتر الرواية من شخصيات برلمانية مختلفة ليس جميعها من الإخوان يؤكد صدور التهديد منه، والذي تبين صحته بعد ذلك!

كما يبرر الإخوان خوضهم للانتخابات الرئاسية إلى خوفهم من ترشح اللواء عمر سليمان نائب رئيس الجمهورية ومدير المخابرات العامة، في عهد مبارك، ولعلها المرة الأولى التي يتحمسون فيها لقانون العزل السياسي، فمرروا قانونا في مواجهته تم إلغاؤه قضائياً، وكانوا يعتبرون أنه عائد لينتقم من القوى السياسية التي شاركت في الثورة وإسقاط مبارك، والتي دخلت معه في حوار، لكنها أصرت على استمرار المظاهرات، ومعروف عن الرجل أن ولاءه لمبارك أكثر من انحيازه لذاته.

ومهما كانت الحقيقة، فقد عقد الإخوان اجتماعين لمجلس شورى الجماعة، كان واضحاً أن الاتجاه في الاجتماع الأول يميل للتصويت بعدم خوض الانتخابات، فكان منهم التفكير في الأمر من جديد، وفي اجتماع تال، الفاصل الزمني بينهما ثلاثة أيام، كان القرار بأغلبية طفيفة هو خوض الانتخابات، ولأنه ليس في ثقافة الإخوان أن ينبري أحد للترشيح، فقد اختاروا ثلاثة هم بالترتيب:

المهندس خيرت الشاطر، والدكتور محمد مرسي، والدكتور سعد الكتاتني.

وعندما اتصل أحد الإخوان بالمرشد العام السابق مهدي عاكف هاتفيا ليسأله ماذا جرى في الاجتماع، كان الرجل يرى الخطر القادم بنور البصيرة وعمق التجربة، إذ ردد في أسى وحزن: “إنا لله وإنا إليه راجعون”!

وفي مرة أخرى كان غاضباً لدرجة أنه تمنى أن يسقط المرشحون الإسلاميون جميعهم!

بيد أن القرار لا يصنعه أمثال مهدي عاكف، هم مجرد أصوات عابرة في المجال الجوي للتاريخ، تُذكر بعد خراب مالطا!

المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين الأسبق محمد مهدي عاكف

فقبل ستين سنة، كان صوت يقف في مكتب الإرشاد هو صوت توفيق الشاوي، ضد تأييد الإخوان لقرار جمال عبد الناصر بإلغاء الأحزاب، وبعث المحاكم الاستثنائية، وعدم عودة الحياة النيابية، لكن القرار صدر بالأغلبية، ووقف الشاوي يردد في أسى: إنما أكلت يوم أكل الثور الأبيض ثم يتلو قوله تعالى: “فستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمري إلى الله، إن الله بصير بالعباد”. ثم كان ما كان!

ولم يساند توفيق الشاوي سوى صوت واحد، لكن هناك أكثر من أربعين صوتاً في مجلس شورى الجماعة صوتوا مع مهدي عاكف، الذي دفع الثمن ومات في سجون الطغاة شيخا ومريضاً ضنوا عليه بالدواء.

كان الإخوان يدخلون المصيدة، كمن يساقون إلى الموت وهم ينظرون.

لمتابعة الحلقة الأولى يرجى الضغط هنا
لمتابعة الحلقة الثالثة يرجى الضغط هنا
المصدر : الجزيرة مباشر

المزيد من تقارير
الأكثر قراءة