أزمة الطاقة تشتعل.. وأوربا تطفئ الأنوار!

بوتين على الخط

ما زلت أسعار الطاقة تواصل الارتفاع بشكل جنوني في مختلف دول أوربا، وبات ذلك يشكل مخاوف كبيرة لسكان القارة من قضاء شتاء بارد، فضلا عن ارتفاع كبير متوقع في أسعار باقي السلع المترتبة على هذا الارتفاع في الطاقة، كما أن هناك أيضا مخاوف متزايدة من اندلاع موجات احتجاج شعبية على ارتفاع فواتير الغاز والكهرباء مما قد يعصف باستقرار القارة الأوربية في ظل أزمة الكورونا التي لم تتعاف منها حتى الآن اقتصاديات تلك الدول.

لقد وصل المخزون الأوربي من الغاز إلى أقل مستوى له منذ 10 سنوات، وهو الأمر الذي يسبب حيرة كبيرة للمتخصصين، ويفرض سؤالا عن ما إذا كانت هذه الأزمة مفتعلة؟ أو من له المصلحة في ذلك؟ ثم ماذا لو استمرت الأزمة بهذا الشكل؟ وكيف يمكن تعويض هذا النقص الحاد في الطاقة؟

لا شك أن انخفاض تدفق الغاز إلى الحد الأدني من روسيا والدنمارك عبر خطوطهما إلى باقي الدول الأوربية قد دفع بالمشكلة إلى السطح، فشركة (غاز بروم) الروسية قالت إنها ستقوم بملأ خزانتها أولا قبل ضخ الغاز مرة أخرى بكامل طاقتها إلى أوربا.

ثمة من يربط بين هذه الأزمة والقرار الروسي بتخفيض كميات الغاز إلى أوربا فيما يطلقون عليها بحرب الغاز وأنها أزمة مفتعلة “جيوسياسية” تريد روسيا من ورائها تحقيق مكاسب سياسية عديدة في وقت يتصاعد فيه الخلاف الروسي مع دول ” الناتو” بشأن الأزمة الأوكرانية، في حين يري آخرون أن أزمة الطاقة إنما هي نتيجة طبيعية لمشكلة التغيرات المناخية التي ترتب عليها بحث العديد من الدول على الطاقة النظيفة والغاز الطبيعي الذي لا ينبعث منه إلا نصف كمية غاز ثاني أكسيد الكربون مقارنة بالطاقة المستخرجة من الفحم.

الحقيقة أن شيئا آخر فاقم من المشكلة وهو تخلي كثير من الدول عن استخراج الطاقة النووية من المفاعلات النووية وهي طاقة مهمة كانت تغطي 29 % من احتياجات الدول، ويرجع ذلك إلى سنة 2011 عندما قررت ألمانيا الرائدة في استخدام هذه الطاقة التخلص التدريجي من كل طاقتها النووية بحلول عام 2022 واستبداله بالطاقة الشمسية والغازية والمائية،  وبما أن تلك المصادر تخضع لقانون الطبيعة من حيث عدم ضمان وجودها بشكل مستدام مقارنة بالطاقة النووية فإن ذلك سيجعل ألمانيا والدول التي تحذو حذوها بحاجة إلى مصدر ثابت للطاقة وهو الأمر الذي سيترتب عليه زيادة كبيرة  في أسعارها خاصة وأن الصين لجأت هي الأخري إلى استيراد الغاز المسال والتخلي عن كل أنواع الطاقة التي تتسبب في تغير المناخ.

روسيا على الخط

لم تفوت روسيا الفرصة واستغلت الأزمة بشكل ذكي للغاية، فهي تضرب وتضغط في أكثر من اتجاه، في وقت تحتاج أوربا لسريان الغاز الروسي عبر الخطوط الواصلة إليها بكامل طاقته، وهنا تبرز أهمية خط “نورد ستريم 2” الذي سينقل الغاز إلى ألمانيا وبعد نظر المستشارة الألمانية التي أصرت على إكماله رغم المعارضة الأمريكية الشديدة التي كانت ترى أن ذلك الخط وسريان الغاز الروسي عبره سيضع أوربا تحت الرحمة الروسية،  لهذا لم يعد أمام أوربا إلا الرضوخ والاستسلام لسريان هذا الخط الهام بغض النظر عن المعارضة الأمريكية،  لكن ليس هذا هو وحده الذي جاء في صالح روسيا بل أيضا سيسمح لها بممارسة ضغوط كبيرة على أوكرانيا التي ترغب في الانضمام إلى حلف الناتو وهو الأمر الذي تعارضه روسيا بشكل حاد، لهذا جاء قرار موسكو بوقف ضخ الغاز عبر الأنابيب المارة في أراضيها وهذا يعني حرمانها من واحد ونصف مليار يورو مقابل الاستفادة من هذا المرور الذي ستبدله بنورد ستريم 2 المارعبرالأراضي الألمانية.

سواء رغبت أوربا أو لم ترغب فإن النفوذ الروسي سيتعاظم في القارة، وأن بوتين بعد هذه الأزمة وتراجع الولايات المتحدة عن فرض العقوبات على الشركات الألمانية التي ساهمت في بناء خط الغاز الروسي الألماني سيصبح المسيطر الأول والمتحكم في قدرة روسيا على التحكم بأسعار الغاز، ذلك أنها طبعا أكبر مورد له ومن أكبر الدول التي تحتفظ باحتياطيات هائلة منه.

إعادة النظر

إن هذه الأزمة لا تقف على حدود أوربا، ولكنها تدفع الدول الصناعية الكبرى التي تحتاج إلى الغاز إلى النظر في أماكن إنتاجه حول العالم لا سيما غاز دول الخليج العربي التي تمتلك أكبر احتياطات للنفط والغاز المسال في العالم، ولن يكون الاهتمام باستقرار تلك الدول هاجسا أوربيا بل أيضا تأمين خطوط الملاحة في المنطقة، خاصة في ظل الأزمة المحتدمة بين الولايات المتحدة وإيران بعد أن مزق ترمب الاتفاق النووي بينهما في سنة 2018 وعودة إيران إلى تخصيب اليورانيوم مما قد يتسبب في حرب خاطفة تعرقل مرور السفن الحاملة للنفط والغاز وهو أمر لاتستطيع أوربا تحمله.

إذا كانت أوربا رائدة في البحث عن الطاقة الآمنة والطاقة النظيفة فإن ذلك لن يكون على حساب وجودها وحاجتها المتزايدة إلى الطاقة، ولن يكون برهن مصيرها في يد روسيا التي تتمتع باحتياطي كبير من الغاز،  لذلك فهي ستنظر إلى الدول التي تستخرج الغاز من البحر الأبيض المتوسط  وهو ما عكس الصراع بين تركيا واليونان ومصر وإسرائيل حول رسم الحدود البحرية وأماكن استخراج الغاز، ليس هذا فقط بل سيصب هذا الطلب العالمي في مصلحة الدول العربية الواقعة شمال المتوسط، الجزائرعلى سبيل المثال قد مدت خط إلى إسبانيا عبر المتوسط وهناك ليبيا التي تعوم على بحار من الغاز وفي حالة الاستقرار ووقف الحرب الداخلية سيكون ذلك في صالحها وفي صالح أوربا.

قد تدفع تلك الأزمة القادة الأوربيين إلى إعادة النظر في ضغوط حماة البيئة والتفكير مرة أخرى في استخراج الطاقة النووية تحت شروط جديدة أهمها بالطبع الأمان وسلامة البيئة، لأنه مع توافر الغاز والطاقة الجديدة المستخرجة من الرياح والمياه يجب أن تكون هناك مصادر لشبكة ثانية كاملة من محطات الطاقة الأحتياطية الجاهزة دائماً باستخدام الغاز الطبيعي أو الفحم أو مصادر أخرى من أجل ضمان إمداد مستقر للكهرباء ومنع انقطاع التيار الكهربائي.

 

المصدر : الجزيرة مباشر