طارق البشري.. رائد لا يكذب أهله

طارق البشري

في أمثال العرب يقولون: إن الرائد لا يكذب أهله، يضربونه مثلا للذي لا يكذب إذا حدَّث. وقد ورد المثل في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم أنه قاله لقريش يوم إعلانه بالدعوة إليهم. وراحلنا العظيم المستشار طارق البشري، يعتبر من الرواد الذين إذا تكلموا في شأن الأمة يصدقون في حديثها، ويصدقون لها النصح، ولا يخشون في الله لومة لائم، تاريخ الرجل ينطق بذلك في مواطن عدة، لا حصر لها.

ولم نكن بحاجة للحديث عن البشري في هذا السياق، لولا أن بعض الجهلة بتاريخ الرجل، بعد وفاته مباشرة، خرجوا بجهلهم بمواقفه ينالون منه، مرة عن موقفه التعديلات الدستورية بعد ثورة يناير مباشرة، وأنها كانت أحد أهم أسباب إخفاق الثورة، والحقيقة أن الرجل في تاريخه ومواقفه كان شجاعا صادق النصح لأهله (بني وطنه وأمته)، قبل الثورة، وأثناء الثورة، وبعد الانقلاب على يد الثورة المضادة، التي شارك فيها بسذاجة شديدة من ينالون من البشري اليوم للأسف!!

ففي أيام مبارك، وفي وقت كان الجميع يستسلم لأن يتم ملف التوريث، وكانت معظم القوى السياسية مدنية وغير مدنية، تعتبره أمرا محسوما، فجمال مبارك، سيكون مكان أبيه، وعلى أقصى التقديرات أفضل المستبشرين يريد أن تزيد مساحة الحريات في عهد ولي العهد القادم للحكم، في ظل هذا الوضع، خرج البشري بكتاب وليس مقالا صغيرا، يحمل عنوان: مصر بين العصيان والتفكك، يدعو فيه بوضوح بقوله: أدعوكم للعصيان المدني، والكتاب في أصله سلسلة مقالات كتبها البشري.

ثم جاءت ثورة يناير، وكان موقفه منها معلوما للقاصي والداني، لا يجهله إلا كليل البصر

أصل البشري ونظر فيها للعصيان المدني وثقافته، وأنه ليس عنفا، بل هو عمل سلمي بحت، وأنه لم يعد أمام الناس من وسيلة سواه، وقد استلهمه من التاريخ الذي هو مجاله الأثير لنفسه، وذلك من خلال تاريخ المصريين في العصيان المدني، بعدم التعاون مع الحاكم الظالم، فيما فصله الدكتور حسين نصار في كتابه: (الثورات الشعبية في مصر الإسلامية)، ثم من خلال ثورة 1919م، والتي عني بدراستها بشكل كبير البشري، سواء بالكتابة عنها نفسها، أو بالكتابة عن زعمائها كسعد زغلول.

ثم جاءت ثورة يناير، وكان موقفه منها معلوما للقاصي والداني، لا يجهله إلا كليل البصر، أو مزور للحقائق، ثم جاءت بعد عزل مبارك مرحلة انتقالية، مطلوب وضع مواد تحكمها دستوريا، فتشكلت لجنة لصياغة هذه التعديلات، ترأسها البشري، وقد كان الرجل يعرف طبيعة عمله وعمل لجنته، وأنه تعديلات مؤقتة، لمرحلة انتقالية، وليست لمرحلة دائمة، وقد كتب البشري تفصيلا عن هذه التعديلات، وما واكبها، وما يتعلق بكل تفاصيلها، في كتابه: (من أوراق ثورة 25 يناير)، من ص: 55، وحتى ص: 115، ولكننا للأسف ابتلينا بمن لا يقرأون، ويريدون التصدر في الحديث دون أدنى درجة من الإنصاف، فضلا عن الاطلاع أو الفهم للموضوع.

وعندما جاء برلمان الثورة، وقد كانت الأغلبية فيه للإخوان المسلمين، وبعد مرور مائة يوم من تاريخ بدئه، كتب البشري مقالا مطولا ومهما، كان عنوان: (أخطاء الإخوان.. في مائة يوم من عمر مجلس الشعب)، وانتقد أداء الإخوان، وركز في نقطة أن الإخوان تركوا إصلاحات قبل دخولهم المجلس، ثم الآن يريدونها، ويرفعون شعاراتها، وأنه لا يقبلها منهم وهم في المجلس بهذه الأغلبية.

فقد طالبوا بتعديل تشكيل المحكمة الدستورية العليا، ثم وقتها كانت بدأت عملية الترشح للرئاسة، وطالبوا وقتها بمناقشة قانون العزل السياسي، وقد رفض البشري هذا السلوك السياسي من الإخوان، لأنه في هذه اللحظة يحقق مصلحة خاصة لهم، رغم أن المطلب كان قبل ذلك مشروعا، ويقبله لو صدر من الإخوان قبل هذه المرحلة، فالمحكمة الدستورية لماذا لم يطلبوا تعديلها أول انتخابهم، أو قبل انتخابهم؟! ثم إنهم دخلوا الانتخابات الشعب والشورى، ولم يصدر قانون العزل، فقبلوا بالمشاركة وقتها، ونالوا الأغلبية، فإذا طالبوا بهذا القانون الآن، لأن هناك مرشحا للدولة العميقة هو الفريق أحمد شفيق، فذلك لأنهم يريدون إخلاء الساحة من هذه المنافسة السياسية، ورغم رفض البشري لشفيق، لكنه لم يرحب بمطلب الإخوان في هذا التوقيت، لأنه لا يحقق مصلحة عامة للثورة والأمة، بل يراه يحقق مصلحة خاصة بحزب الحرية والعدالة ومرشحها فقط، وهو ما يرفضه الرجل رفضا قاطعا.

وعندما قام السيسي بالانقلاب في 3 يوليو 2013م، وفي الوقت الذي ظلت النخبة المدنية تراوح مكانها، وهل هذه ثورة شعبية ساندها الجيش أم انقلاب عسكري؟ كان البشري واضحا

وفي 20 مايو 2012م قبل أن يسلم المجلس العسكري السلطة لأول رئيس مدني منتخب، أصدر إعلانا دستوريا مكملا، فكتب البشري مقالا بعنوان: (المجلس العسكري لا يملك سلطة إصدار إعلان دستوري مكمل)، وأنه بمجرد انتخاب مجلس الشعب والشورى، أصبح المجلس العسكري سلطة تنفيذية ولم يعد سلطة تشريعية ولا سيادية.

وعندما قام السيسي بالانقلاب في 3 يوليو 2013م، وفي الوقت الذي ظلت النخبة المدنية تراوح مكانها، وهل هذه ثورة شعبية ساندها الجيش أم انقلاب عسكري؟ كان البشري واضحا وقاطعا ككل أحكامه القضائية والفكرية، فكتب يوصف الصراع أولا، وجعل عنوان مقاله في الشروق يوم 10 يوليو 2013م: (الصراع القائم الآن هو بين الديمقراطية والانقلاب العسكري، وليس بين الإخوان ومعارضيهم)، ثم قال بالنص في مقاله: إنه انقلاب مكتمل الأركان. ثم قال ساخرا: ما هو الانقلاب العسكري إذا لم يكن ذلك انقلابا عسكريا؟!!

ثم كتب مقالا آخر في الشروق بتاريخ: 22 يوليو سنة 2013 بعنوان: ما معنى الانقلاب العسكري؟ فقد وصف كل الإجراءت التي سبقت 30 يونيو، وما تلتها، بأنها هي بالضبط أساليب الانقلابات العسكرية، وأن الثورات الشعبية لا تفعل ذلك، لأن كل مشارك فيها من الجماعات والأفراد، إنما شارك وهو يعرف الهدف السياسي الذي ينتج عن حركته، وأن الحراك الشعبي السابق في 30 يونيو كان منقسما بين تيارين شعبيين متعارضين ولم يكن مجتمعا على مطلب واحد كما حدث في 25 يناير 2011م.

وعندما جاء فض رابعة، وقبله المجازر التي تمت، كان الرجل واضحا في إنكارها، وبيان أن هذه هي طبيعة الانقلابات العسكرية، لا الثورات الشعبية، أنها تريق دماء الشعوب دون أن يتحرك لها جفن، وأنها لا تعمل في إطار من القانون، ولا الشرعية، ولا احترام حقوق الإنسان.

ورغم وجود الانقلاب العسكري، ونظامه المستبد الغاشم، إلا أن ذلك لم يمنع البشري من ممارسة دوره، وصدعه بالحق، ونصحه للأمة، في كل مناسبة يتمكن من القول فيها، فكتب عن قانون منع المظاهرات كما في الشروق بتاريخ 5 ديسمبر 2013م، ثم انتقاده مشروع الدستور الذي تم بعد الانقلاب.

هذه المواقف التي رصدت بعضها للبشري رحمه الله، يمكن لمن يريد الاطلاع على تاريخ الرجل ومواقفه فيها، أن يراجع كتابين صدرا له، الأول: ثورة 25 يناير والصراع حول السلطة. والثاني: من أوراق ثورة 25 يناير. فضلا عن الدراسات والمقالات المختلفة، ذلك لمن أراد أن يعرف كيف كان البشري رائدا لا يكذب أهله.



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة