حكايات رمضانية: البخلاء (2)

المستشار سعيد العشماوي

ليسوا سواء؛ فالبخل أنواع، وقد كان المفكر، والقاضي، سعيد العشماوي بخيلاً من نوع خاص!

فهو لا يبخل على نفسه، كما النمط التقليدي من البخلاء، وبينما يرفض توفيق الحكيم الإقامة في فندق، ويحرص على الإقامة لدي صديقه الكاتب المصري في باريس، فإن “العشماوي” شعاره في هذه النقطة: “أهن قرشك ولا تهن نفسك”!

وكنت تدخل شقته في منطقة الزمالك الراقية، فيخال لك إنك في متحف، حيث التحف والتماثيل التي اشتراها من حر ماله، ومن عواصم عدة، كان يزورها، وظني أنه كانت تتعارك بداخله خصلتان “البخل” و”المباهاة”، فقد كان كأبي سفيان يحب الفخر، ويتحدث عن الفنادق التي أقام فيها، سواء على حسابه أو على حساب الجهات التي كانت توجه الدعوة له ليحاضر فيها، وكتب عدة مقالات في مجلة “أكتوبر”، عن هذه الحفاوة التي يجدها لدى الجامعات الغربية الكبرى، وكيف أنه أقام في جناح خاص بالملوك ورؤساء الدول، وهذا سيكون جيداً لو كتبه عنه الآخرون، لكن أن يكتبه عن نفسه، فقد كان مدخلاً ليهاجمه من خلاله الكاتب فهمي هويدي!

وكان مع بخله، يملك اعتزازاً كبيراً بنفسه، كان سبباً في أن يرفض مقابلة تلفزيونية مع “عماد أديب”، ظل العرض المقدم إليه يرتفع إلى أن وصل إلى عشرة آلاف جنيها إسترلينيا، وبنى رفضه على خوفه من أن يكون هذا كميناً، فماذا لو جيء له على الهاتف وهو على الهواء بمن يهينه، فماذا تساوي العشرة آلاف جنيه أمام هذه الإهانة؟ هكذا قال لي!

وفي كل مرة استمع إلى شرح تفصيلي لشجرة العائلة للبن الذي صنعت منه هذه القهوة، وكيف أنها من بن خاص

وقد عرفته لسنوات طويلة، وزرته في منزله كثيراً، وكانت جلساتنا تمتد لأربع ساعات، وأحيانا أكثر من هذا، وأجريت معه أكثر من حوار، وقد تعجب أحد الأصدقاء عندما أخبرته إنه رغم هذا لم أذق طعاماً في بيته قط، وكانت المرة الوحيدة هي “أم علي”، لأن اللقاء كان في شهر رمضان، وبعد الفطار، وكان لديه ضيف هو ابن شقيقه، وعشنا على “أم علي” سنوات بعد ذلك، كلما نلتقي يحدثني عن أنه لاحظ أنني كنت سعيداً وأنا أكل أم علي؟ هل أعجبتك أم علي؟ إن عم محمد أفضل من يعمل أم علي في مصر؟!، حتى كدت أفتك بعلي وأمه!

لم يتزوج المستشار العشماوي، وكان يعيش بمفرده، وفي كل مرة أزوره فيها يستأذن “عم محمد الطباخ” في الانصراف، ولا ينسى أن يقدم لي “فنجان قهوة” قبل أن يغادر، وفي كل مرة استمع إلى شرح تفصيلي لشجرة العائلة للبن الذي صنعت منه هذه القهوة، وكيف أنها من بن خاص، وكيف أن أمراء خليجيين عندما يزورنه يحرصون على أن يشربوا قهوته من يد عم محمد، وكان كذلك توفيق الحكيم وفؤاد باشا سراج الدين ووحيد رأفت، وفي كل مرة أفشل في إقناعه أنني استمعت لهذا الموشح من قبل، ويمكنني أن أقوم بتسميعه له، وأن طريقة “الصدقة التي يتبعها أذى”، تحول دون الاستمتاع بهذه المشروب الذي تحصل عليه من لبن العصفور!

وعندما تطول السهرة، يبدي أسفه لأنني في كل مرة أتي متأخراً، بينما عم محمد انتهى موعد عمله، فلا يتسنى له أن يصنع لي طعاماً، لأنه منذ سنوات طويلة توقف عن تناول وجبة العشاء، فيقدم لي نوعين من الشيكولاتة، في كل مرة نوعاً – بطبيعة الحال – ولا ينسى – في كل مرة – أن يروي نسب هذه القطعة وحسبها، يوشك أن يقول إن المصنع قد صنعها خصيصاً من أجله!

كان يتعامل على أنه قدم انجازاً تاريخياً لي ولابن شقيقه الذي لم ينس أن يقول لي إنه كان مذهولاً وهو يأكلها لأول مرة

إلى أن حدث في اليوم الموعود أن ظفرت بأم علي، كان ابن شقيقه شابا عشرينيا، في زيارته، وقد قطع الرحلة من الولايات المتحدة الأمريكية حيث يقيم ليشاهد عمه الذي لم يلتق به من قبل ذلك، وهو ابن لأمريكية، ولا يتحدث العربية ولا يفهمها، ويبدو أن الشقيقين كانا على خلاف، منع إقامة علاقة طبيعية، وقال الفتى إنه لا يريد أن يبني موقفاً بناء على ما قاله والده، لقد توفي الوالد وجاء هو ليستمع لوجهة نظر عمه!

قلت له: ومن المؤكد أنك كسبت الفتى في صفك؟ وكان متهلل الأسارير كطفل وهو يؤكد أن هذا ما حدث بالفعل، وسألني إن كنت أحب أم علي؟، وأجبته: أحب أم علي وأي أحد من عائلة علي، المهم أن أؤذيك في شيء!

ودخل عم محمد بثلاث أطباق معتبرة، فيبدو أنه أجلها إلى حين حضوري، حتى لا يطلب الضيف المزيد إذا طلبت، ومع كل ملعقة أرفعها إلى فمي يسألني:

أعجبتك أم علي؟!

أو: لذيذة أم علي؟!

أو: أراك سعيداً وأنت تأكل أم علي!

تختلف الأسئلة ولا يختلف التالي لها، إن عم محمد أفضل من يصنع أم علي في مصر!

ولم يتوقف إلا بعد أن قلت له جاداً:

كفاية، لقد سألتني وأجبتك؟، فما المبرر لهذا التكرار كما لو كانت عزومة على خروف؟ ما هذه الطريقة التي تسمم البدن؟!

كان يتعامل على أنه قدم انجازاً تاريخياً لي ولابن شقيقه الذي لم ينس أن يقول لي إنه كان مذهولاً وهو يأكلها لأول مرة.. من يد عم محمد. فلابد من أن يختم به، فعم محمد الطباخ بتاعي.. عرفنا!

وكيف أنه لا يقصر معهم، لقد أعطى كلا منهم عشرين جنيهاً “عدية”، يقولها كما لو كان قطع من لحمه وأعطاهم!

ولأنه كان قد وضع على قوائم المهددين بالاغتيال، ربما في عهد السادات، وتكرر الأمر بعد ذلك، فقد عينت له وزارة الداخلية حراسة خاصة، استمرت معه حتى بعد أن ترك عمله في القضاء، وكان الحراس موضوعه اليومي، نادي عليهم ولم يجدهم.. إنهم يتحدثون مع الجيران.. لقد قيل لي إنهم يجلسون مع البواب.. وهكذا موضوعات تافهة تشغل وقته، وتنكد عليه حياته، وكيف أنه لا يقصر معهم، لقد أعطى كل منهم عشرين جنيهاً “عدية”، يقولها كما لو كان قطع من لحمه وأعطاهم!

ذات مرة، قال إنه دفع لاثنين وحرم الآخر، قالها كما لو كان قد حرمه من الميراث، وقلت له وبالتأكيد إن المحروم من الهبة لا ينام الليل من الحرمان؟!

ولم يلحظ السخرية من كلامي، فأمن عليه، قبل أن أعاجله بالقول!

العشرون جنيها لم تعد لها قيمة، كانت كذلك في زمن الجنيه الصفيح، أيام سعد باشا، من المؤكد أن هذا العسكري سيكون سعيداً ما دامت العقوبة على تقصيره وإهماله هي حرمانه من العشرين “ملطوش” التي تدفعها في المناسبات السعيدة!

لكنه كان يتحدث عن المنحة الكريمة بالتضخيم عند النطق، كما لو كان كل واحد من المشمولين بعنايته، قد سافر إلى قريته وبنى -من العشرين جنيهاً- البيت، واشترى جاموسة عُشر!

يا له من بخيل مختلف!

المصدر : الجزيرة مباشر


المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة