مالا تعرفه عن خط أنابيب “كاتسا” السري الذي دمرته المقاومة؟

استهدفت سرايا القدس، الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، صهريج وقود بمنشأة استراتيجية للنفط في جنوب مدينة عسقلان على شاطئ البحر الأبيض المتوسط بصواريخ ثقيلة ومكثفة ومباشرة، في يوم الثلاثاء التاسع والعشرين من رمضان الموافق 11 من مايو/أيار، ما أدى إلى اندلاع نيران كثيفة في المكان واحتراق كميات ضخمة من الوقود.

وأثناء متابعة الحدث من خلال شاشة قناة الجزيرة، علق مراسل القناة، إلياس كرام، على الخبر بقوله إن الصهريج المستهدف يتبع خط أنابيب بترول يسمى باللغة العبرية “كاتسا” وتحيطه إسرائيل بسرية كبيرة وتفرض عليه تعتيم إعلامي منذ كان يستخدم في تزويد إسرائيل بالبترول الإيراني في عهد الشاه محمد رضا بهلوي في ستينات وسبعينات القرن الماضي من ميناء إيلات في خليج العقبة على البحر الأحمر جنوب فلسطين ثم يضخ إلى مدينة عسقلان شمال قطاع غزة عبر أنبوب يصل طوله إلى 255 كيلو مترا.

وأضاف مراسل القناة أنه لا أحد يعرف أسرار هذا الأنبوب التاريخي حتى لحظة القصف التي كشفت عن استمراره في التشغيل ونقل البترول ما يعتبر مفاجأة لأن إسرائيل أعلنت قبل سنوات عن توقف الأنبوب عن العمل، ولا يُعرف مصدر النفط الذي يضخ في الأنبوب رغم توقف الإمداد بالنفط الإيراني بطبيعة الحال منذ سقوط نظام الشاه بعد الثورة الإيرانية في سنة 1979.

المعلومات حول مصدر البترول الذي يغذي الصهاريج الاستراتيجي معروف

وفي فجر اليوم التالي مباشرة لقصف سرايا القدس الصهريج، عاودت كتائب الشهيد عز الدين القسام، الذراع العسكري لحركة المقاومة الإسلامية حماس، قصف الصهاريج نفسه بـ20 صاروخا من طراز Q20 رغم استمرار اشتعال النيران فيه لأكثر من 24 ساعة. وحاولت الحكومة الإسرائيلية التكتم على الحدث، حيث أعلنت القناة “12” الإسرائيلية عن الخبر بطريقة مبهمة ومقتضبة ومن دون الإشارة الصريحة للصهاريج باسمه، فنقلت وكالة رويترز عن مسؤول إسرائيلي في قطاع الطاقة أن “خط أنابيب إسرائيلي أصيب” من دون تفاصيل، ما يؤكد الأهمية الإستراتيجية للهدف والخسارة الفادحة لإسرائيل. فلم يكن الهدف المشتعل صهريج تخزين للوقود، ولكن كان محطة ناقلات النفط بعسقلان، وهو أحد رأسي خط أنابيب النفط الواصل بين إيلات وعسقلان، وهو لذلك هدف ثمين للمقاومة لذا عاودت قصفه.

المعلومات حول مصدر البترول الذي يغذي الصهاريج الإستراتيجي معروف، فقد أعلنت شركة خطوط الأنابيب الإسرائيلية في 20 أكتوبر/تشرين الأول 2020، أي بعد شهرين فقط من توقيع الإمارات اتفاق لإقامة علاقات رسمية مع إسرائيل أنها وقعت اتفاقاً لنقل النفط من الإمارات إلى دول أوربا عبر خط أنابيب يربط مدينة إيلات المطلة على البحر الأحمر وميناء عسقلان على ساحل البحر المتوسط باستثمارات قدرها 700 إلى 800 مليون دولار.

وليس خافيا أن الخط يتسبب في الإضرار بالأمن القومي المصري وذلك بتفادي مرور النفط الخليجي المتجه إلى أوربا في قناة السويس أو خط أنابيب سوميد المملوك والذي ينقل بترول الخليج من البحر الأحمر إلى ميناء الإسكندرية مقابل رسوم نقل تحصل عليها الخزانة المصرية، سيما أن ما يقرب من 66% من صادرات النفط الخليجي إلى الدول أوربا يمر عبر قناة السويس وخط أنابيب سوميد الذي يربط البحر الأحمر بالإسكندرية.

وقد نشرت مجلة فورين بوليسي الأمريكية الشهيرة في سبتمبر/أيلول الماضي، أي بعد شهر واحد من توقيع اتفاق التطبيع، تقريراً خطيراً كشفت فيه عن أن التطبيع الإماراتي مع إسرائيل سيفضي إلى تنفيذ مشروع ضخم لنقل النفط الخليجي لأوربا عبر دولة الاحتلال الإسرائيلي بإعادة إحياء خط أنابيب النفط السري المشترك مع إيران. وقالت إن المشروع سيكون منافسا لقناة السويس ولخط أنابيب سوميد، وستكون قناة السويس الخاسر الأكبر من المشروع الذي يوفر بديلاً أرخص لها. ولا تخفي إسرائيل ذلك، ونقلت المجلة عن الرئيس التنفيذي للشركة المنفذة للمشروع قوله: إنه يعتقد أن خط الأنابيب يمكن أن يقضي على حصة كبيرة من شحنات النفط التي تتدفق الآن عبر قناة السويس.

وأكد رئيس الشركة المنفذة للمشروع أن هدفه هو أن يستحوذ خط أنابيب إيلات عسقلان على ما بين 12 في المئة و17 في المئة من أعمال النفط التي تمر عبر قناة السويس التي بسبب قيود فيها يتم ضخ الكثير من النفط الخام الخليجي المتجه إلى أوربا وأمريكا الشمالية عبر خط أنابيب سوميد في مصر، وهو الخط الذي يعمل في اتجاه واحد فقط، ما يجعله أقل فائدة من منافسه الإسرائيلي الذي يمكنه أيضًا التعامل مع النفط الروسي والأذربيجاني المتجه إلى آسيا.

وفي فبراير/شباط الماضي صرح رئيس هيئة قناة السويس الفريق أسامة ربيع، بأنه من غير المتوقع أن تتأثر حركة الملاحة عبر القناة بإعادة تشغيل خط أنابيب إيلات عسقلان، وأصدر رئيس الهيئة بيانا شدد فيه على أن حجم تجارة النفط الخام المصدر إلى أوربا عبر القناة يمثل 0.61% فقط من إجمالي حركة التجارة المارة بالقناة.

بيان رئيس الهيئة ناقض تصريحاته العفوية عقب الإعلان عن المشروع مباشرة، فقد اعترف في مداخلة هاتفية مع قناة “الحدث” المصرية في يوم 20 سبتمبر الماضي، بأن إنشاء خط أنابيب النفط إيلات-عسقلان الإسرائيلي يهدد الأمن القومي المصري وقناة السويس. واعتبر “ريبع” أن الأمر يأتي في إطار ترتيبات إقليمية تمس الأمن القومي لمصر. وقال إن قناة السويس تشهد عبور أكثر من 107 ملايين طن من النفط سنويا، مقارنة بـ55 مليون طن محتمل عبورها عبر خط “إيلات-عسقلان”، بمعنى أن الخط سيستحوذ على 51% من كميات النفط التي تعبر قناة السويس حاليا، وفق ما جاء بموقع الخليج الجديد.

وقد أثر المشروع بالفعل على عائدات القناة، وبسبب ذلك تقدم هيئة القناة حالياً تخفيضات تصل إلى 75% على رسوم العبور

وليس خافيا أن خط أنابيب إيلات-عسقلان أنشأته إيران تحت حكم الشاه محمد رضا بهلوي لتزويد إسرائيل في ستينيات القرن الماضي في رد فعل على وقف مصر عبور ناقلات النفط وغيرها في قناة السويس بسبب العدوان الثلاثي سنة 1956. وزودت إيران إسرائيل باحتياجاتها النفطية واستفادت بتصدير كميات كبيرة منه إلى الأسواق الأوربية حتى اندلاع الثورة الإيرانية وسقوط بهلوي في عام 1979. ورغم استمرار بهلوي في إمداد إسرائيل بالنفط وهي في حالة حرب مستعرة وعداء مع مصر، فقد تطوع الرئيس السادات باستقبال بهلوي استقبالا رسميا في مصر بعد إطاحة الثورة بملكه.

وكان الأولى باستقباله أمريكا، حيث كان رجلها القوي وشرطي المنطقة، أو إسرائيل، فقد كانت إيران تحت ملكه ثاني دولة ذات غالبية مسلمة تعترف بإسرائيل كدولة، بعد تركيا تحت حكم العسكر، ولما قدم لها من مساعدات بترولية لأكثر من عقدين واستخدمتها في حربها ضد مصر. ولكن السادات، وهو جنرال عسكري خاض حربا ضد إسرائيل، خصص له قصر القبة ليقيم فيه مع أسرته، وأمر بعلاجه في مستشفى القوات المسلحة بالمعادى، وأقام له الرئيس السادات جنازة عسكرية من قصر عابدين، عُزف خلالها السلام الإمبراطورى الإيرانى. قدم السادات خدماته نيابة عن أصدقاء الشاه وعلى حساب الأمن القومي المصري، وأدت سياسته إلى قطيعة كلية مع إيران وحتى وقتنا هذا.

وقد أثر المشروع بالفعل على عائدات القناة، وبسبب ذلك تقدم هيئة القناة حالياً تخفيضات تصل إلى 75% على رسوم العبور لناقلات النفط العاملة بين الخليج وشرق آسيا، حتى يونيو/حزيران المقبل على الأقل، ما يقلل من الرسوم المفروضة على السفن ذات الحجم القياسي إلى 99 ألف دولار بدلاً من 397 ألف دولار. ورغم ذلك فإن ميناء عسقلان سيكون منافسا شرسا لقناة السويس، فهو يستقبل ناقلات بحجم 300 ألف طن، وينقل 1.3 مليون برميل يوميا، ما يفوق قدرة القناة على استيعاب هذا النوع من الناقلات.

المصدر : الجزيرة مباشر


المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة