انقلاب تونس .. تشخيص اللحظة وواجب المستقبل

قامت ثورة تونس المُعَلِّمة في يناير/كانون الثاني 2011م فكانت ثورة عظيمة وشرارة مُفتتِحةً لتغيير سُمي لاحقا “الربيع العربي” وصل إلى مصر وسوريا وليبيا واليمن، وبدأت الشعوب تتنفس الصعداء، وأحست أنها يمكن أن تُحدث فرقًا، وتمتلك إرادتها وتختار من يمثلها، وبالفعل سقطت رؤوس أنظمة الحكم في غالب هذه البلاد، وتمكن الشعب من اختيار من يحكمه، وكذلك اختيار مؤسسات الدولة .. ولكن ماذا حدث؟

التغيير السطحي

كانت هذه الثورات تنشد التغيير الحقيقي لما عانته على مدى عقود من الزمان من الفساد الأخلاقي، والاستبداد السياسي، والتحلل الاجتماعي، والتردي الاقتصادي، وضربت هذه الثورات أروع الأمثلة في التضحية والفداء، والرغبة الحقيقية المخلصة في العيش الكريم وتحقيق الحريات والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية، كما كانت شعاراتها.

لكن هذه الشعوب قامت بواجبها، وسقطت رؤوس هذه الأنظمة من دون تغيير حقيقي جذري؛ فظلت الدولة العميقة، أو “دولاب الدولة” وجهازه كما هو، تسكنه الحيات والأفاعي تترقب لحظة الهدوء والاستجمام لتنقض مرة أخرى وتعيد الكرة لتستعيد مكانها ومكانتها؛ ضمانا لبقاء المصالح الشخصية في النهب والسلب والاستئثار بخيرات البلاد وحقوق العباد.

وها نحن قد رأينا أثر هذا التغيير السطحي مع كمون الدولة العميقة إلى حين، حتى جاءت فرصتها المناسبة لتستعيد أماكنها وتوزع الأدوار عليها، حدث هذا بجلاء في مصر، وها هو اليوم يتكرر بصورة أو أخرى في تونس رغم التنازلات التي قدمتها حركة النهضة طوال هذه المدة حتى طالت هذه التنازلات أمورا دينية انتُقدتْ عليها النهضة من كثير من رجالات الفكر والرأي، ولكن هذه التنازلات لم تغنِ عنها شيئا، وكانت ﴿ كَٱلَّتِی نَقَضَتۡ غَزۡلَهَا مِنۢ بَعۡدِ قُوَّةٍ أَنكَـٰثࣰا﴾ [النحل ٩٢]

الدخول في دولاب الدولة العميقة

حين قررت الشعوب أن تثور فإنها لم تكن تثور على رؤوس السلطة فقط، ولكنها كانت تستهدف تغييرا حقيقيًّا يضمن لها العيش الكريم والعدالة والحرية، ولكن نخبة هذه الشعوب – إسلامية وغيرها – تسرعت – وما أبعد الفرق بين السرعة والتسرع – في “تبريد” الحالة الثورية، ويا ليتها مضت لبناء جديد بأطر جديدة تخدم تحقيق أهداف الثورات، ولكنها تسرعت فعادت مرة أخرى إلى “دولاب” الدولة، ودخلت تحت سلطانها، وهي التي ثارت عليها الشعوب، وثارت عليها هذه النخبة نفسُها! فها هي تحتكم مرة أخرى إلى أجهزتها الأمنية ومؤسساتها القضائية!

ولما دخلت هذه النخبة والطليعة الثورية – أو هكذا كان يجب أن تكون! – داخل الدولة العميقة التي ثارت عليها مع الشعوب حتى استعانت بها في الحكم والإدارة، أصبحت الثورة بطليعتها وشعبها تحت أنياب هذه الدولة العميقة، وكانت هذه الدولة من الذكاء والدهاء بما تسوغ به لنفسها العودة مرة أخرى؛ فعملت – مع فشل القوى التي تصدرت – على تعطيل أعمال الحكم الجديد، وتشويه صورته إعلاميا، وتقبيح إداراته عند الشعوب، بما جعلت الشعوب تترحم على الأيام السابقة قبل الثورات، وهنا وجدت الدولة العميقة فرصتها – بدعم إقليمي ودولي – للانقضاض على هذه الحركة الشعبية بنخبتها الواهمة والمغيبة وإنهاء آمالها في تغيير حقيقي، وإعادة هذه النخبة إلى حيث كانت في السجون والمعتقلات بمحاكمات ظالمة طاغية، هي هي التي كانت تعتقلهم وتحاكمهم بقضايا ملفقة وأحكام ظالمة سابقًا.

ومن المفترض أن تتعلم الشعوب من تجاربها القريبة والبعيدة .. حاولت تونس أن تصمد وتتعلم الدرس، لكنها سلكت سبيلا غير ثوري تظن فيه السلامة والاستمرار والاستقرار، لكن تيار الدولة العميقة أقوى بما يمتلك من دعم داخلي وخارجي، وما يحظى به من أدوات الحكم الحقيقي والتي هي القوة بكل صورها؛ حيث لم تنضج التجربة بعد، ولم تصبح الدولة مهيأة لحياةِ حرياتٍ حقيقية.

غايات محور الشر العربي

منذ أن قامت الشعوب بحركتها في امتلاك القرار واسترداد حريتها، وهناك متربصون من أبناء الدولة العميقة ورعاتها محليا وإقليميا ودوليا، وهذا أمر طبيعي؛ أن يكون للحق أعداء وللحرية أعداء وللتغيير مقاومون، وتزعمت الإمارات عرقلة حركة الشعوب وحاولت الإجهاز عليها، وها هي تحقق كثيرا من أهدافها بانقلاب تونس اليوم.

وهي في ذلك تسعى لضمان مصالحها، وبقائها على كراسيها، وفي سبيل ذلك تسترضي الصهاينة والغرب بل تتماهى معهم في الهدف والغاية حتى بات هذا المحورُ وكيلا لرغبات الصهاينة والغرب في العالم العربي، بل يتصرف أحيانا تصرف الأصيل وليس الوكيل.

وقد ظهر السيسي يوما يقول: “إن ما حدث في 2011م لن يتكرر مرة أخرى في مصر”، وهو صادق في هذا؛ سعيًا لتحقيق ما قررناه أعلاه، فها هي مصر تعيش أسوأ من عهود ما قبل الثورة، وها هي سوريا يتمكن منها جزارها وجلادها بانتخابات وهمية زائفة، وها هي تونس التي تحدث الناس عن “نجاحها” و”حنكة” حركة النهضة فيها، وما هو بنجاح ولا حنكة، والدور القادم على ليبيا؛ ليتم القضاء تماما على حلم الربيع العربي.

أفق المستقبل

يقيني أن هذه الثورات لن تهدأ، ولن يتم القضاء عليها، والشعوب حين ثارت وتحركت مثَّلت بذلك لحظة فارقة في تاريخ المنطقة والعالم، وأعطت إشارة حقيقية إلى أن التغيير ممكن ومتاح ولو كان ثمنه باهظا ومكلفا

فهي موجات ونوبات ومغالبة، أو بالأحرى “متوالية للطغيان والحرية” كما أسماها العلامة محمد أحمد الراشد في كتابه: “الردة عن الحرية” يقول: “وفحوى هذه المتوالية: أن الطغيان إذا اشـتد جداً تحركت أشواق الحرية في دواخل الناس فتكون ثورة تُنهي الطغيان، حتى إذا رفل الناس بالخيرات والحرية مدة طويلة ضعفت احتياطاتهم، فيـسـتـيـقظ طاغية جديد يـسـتـثـمر غفلة الناس ونسيانهم لذكريات الطغاة، فيتكرر السوء، حتى إذا طال زمنه وزاد البغي: انتفض الناس وثاروا، ثم من بعد مدة يغفلون، وهكذا تـسـتمر هذه المتوالية، لكن مدة الحرية تكون أطول في كل مرة، بتأثير الوعي النامي، حتى يصل الأمر بعد تكررات عديدة إلى استقرار عهد الحرية وانقطاع الظلم”.

ولكن – وآهٍ من لكن! – لابد من الإعداد الحقيقي لما بعد الانقضاض على الثورات، والإعداد المقصود هنا هو الإعداد الناجز والشامل لتغيير جذري منشود، وليس لمجرد مداهنات أو ترميمات أو “توافقات” كاذبة وتنازلات وهمية، وإنما الإعداد يكون ببناء مشروع حقيقي للأمة ينطلق فكريًّا من تشخيص اللحظة الحالية، وحاجات الأمة في هذه اللحظة، وبناء ما تحتاجه الأمة بناء على التشخيص الصحيح، وكذلك انطلاقا من تقييم حقيقي وموضوعي للمائة سنة الماضية على الأقل، وهذا أمر قد يحتاج لعقود من الزمان، ولكن لا محيد ولا بديل عنه إن أردنا التغيير الحقيقي الذي انطلقت الشعوب سعيًا لتحقيقه، وما لم نسلك هذا المسلك ستكون قوى تشويه الإسلام هي المستفيد الأول أعني داعش وأخواتها حين تكفر الشعوب بحراكها نحو الحرية عبر السلم الاجتماعي والأدوات المستقرة؛ حيث يتم الانقلاب عليها وإهدارها.

يقول الشيخ محمد الغزالي: ” (إن نجاح النهضات وبقاءها يرتبطان بمقدار ما تستند إليه من مشاعر وأفكار، بل إن الارتقاء الصحيح لا يكون إلا معتمدًا على خصب المشاعر ونضارة الأفكار؛ ولذلك لا بد في الثورات الاجتماعية الكبرى من ثورات أدبية تمهد لها، وتملأ النفوس والعقول إيمانًا بها، وقد تعتري الأمم هزات موقوتة أو انكسارات وانتصارات سريعة، وقد يصيب الحضارات مد وجزر لأسباب شخصية أو محلية، وذلك كله ينظر إليه المؤرخون نظرة عابرة، ولا ينتظرون من ورائه نتائج بعيدة المدى، أما النهضات التي تصحبها يقظات إنسانية واسعة، وتحف بها عواطف جياشة ونظرات عميقة، فهي أمر له خطره وله ما بعده). [نظرات في القرآن: 12].

لابد – إذن – من بناء حقيقي يستحضر التجارب السابقة ويعي دروسها، ويخطط للتغيير الحقيقي متجاوبا مع سنن الله تعالى في التغيير الحضاري والبناء الحقيقي؛ حيث إن سنة الله في التغيير هي المدافعة وامتلاك أدوات القوة، فالدول لم تتغير يوما ولم تنشأ بغير سنن الله في بنائها وإقامتها، والذين يعاندون سنن الله أو يغفُلون عنها سيدفعون ثمن ذلك من الدماء والتضحيات الكثيرَ والنفيس، وفي النهاية لن يحققوا شيئا من آمالهم ولا آمال شعوبهم.

المصدر : الجزيرة مباشر


المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة