شهادة الشيخ حسان.. فتنة العالم!

تابعت كغيري شهادة الداعية السلفي الشيخ محمد حسان أمام إحدى المحاكم المصرية في قضية ما يعرف بخلية داعش إمبابة، وهالتني الطريقة التي يطرح بها القاضي أسئلته وكأنه ضابط تحقيق في أحد أقبية أمن الدولة، محاولا توجيه الشاهد إلى الغمز واللمز في النوايا، وليس الاقتصار في شهادته على الممارسات العملية للجماعات الإسلامية وخاصة جماعة الإخوان المسلمين، والحقيقة أن الشيخ أفلت من هذا الفخ وأصر أنه لا يتدخل في النوايا التي يعلمها الله وحده، ولكنه يشهد بما يلمسه أو يعرفه من ممارسات، وإن سقط في خطايا أخرى في شهادته.

المحكمة استهدفت تحويل شهادتي حسان ويعقوب إلى محاكمة للفكر السلفي

لم يذهب الشيخ حسان إلى المحكمة طوع إرادته، لكنه ذهب تنفيذا لقرار من المحكمة بناء على طلب من الدفاع الذي قدر أن شهادته ربما تكون في صالح المتهمين الذين سبق أن أوضحوا أنهم تتلمذوا على فكر الشيخ حسان والشيخ محمد حسين يعقوب وغيرهما من مشايخ السلفية، وقد استدعت المحكمة من قبل الشيخ يعقوب، وأحدثت شهادته مثل شهادة الشيخ حسان جدلا واسعا أيضا، وكلتا الشهادتين تم توظيفهما في المحكمة ليس لصالح المتهمين ولكن لتشويه الحركة الإسلامية عموما والجانب السلفي منها على وجه الخصوص ممثلا في أبرز وجهين من وجوهه.

كان واضحا أن المحكمة استهدفت تحويل شهادتي حسان ويعقوب إلى محاكمة للفكر السلفي، وقد بدا ذلك واضحا من الأسئلة التي وجهتها للشاهد، والتي احتكرت توجيه غالبيتها، ولم تعط الدفاع مساحة مناسبة للأسئلة رغم أنه هو من طلب حضور الشيخ، كما بدا ذلك واضحا من خلال سماح المحكمة لوسائل الإعلام بمتابعة الجلسات وبثها مباشرة، رغم منع ذلك في القضايا الأخرى الأكثر أهمية والتي تتضمن متهمين من العيار الثقيل، بل إن بعضها يجري خلف أقفاص زجاجية كاتمة للصوت.

لم يكن الشيخ حسان أو الشيخ يعقوب أول من يستدعى للشهادة في قضايا للجماعات الإسلامية، فقد سبقهما إلى ذلك شيوخ كبار مثل الشيخ صلاح أبو إسماعيل والشيخ محمد الغزالي والدكتور محمود مزروعة في قضايا الجهاد الكبرى (مقتل الرئيس أنور السادات عام 1981)، وقضية الناجون من النار (محاولة قتل وزير الداخلية الأسبق حسن أبو باشا ونقيب الصحفيين الأسبق مكرم محمد أحمد) وأيضا قضية قتل المفكر العلماني فرج فودة، وكان لشهادات هؤلاء الشيوخ الكبار (وجميعهم أزهريون) صداها الواسع في المجتمع ذلك أنها تميزت بجرأة غير معهودة، وصلت إلى حد تأييد المتهمين في موقفهم العقدي من الرئيس الراحل حسني مبارك، لكن من الأمانة أن نذكر أيضا أن الأجواء التي جرت فيها تلك الشهادات تختلف عن الأجواء الحالية، صحيح أن النظام الأمني كان قويا وقمعيا في ذلك الوقت لكن ليس بالشكل الموجود حاليا، كما أن القضاء كان لا يزال يتمتع بقدر أكبر من المهنية التي انعكست على طريقة ونوع الأسئلة التي طرحتها المحكمة، أو التي سمحت لهيئات الدفاع بطرحها على الشهود لتخدم العدالة، وليس لتسفيه الشهود أو الانتصار للنظام السياسي ورؤيته الدينية كما هو حادث اليوم.

شهد شهادة زور حين نسب للإخوان دعوتهم للقتل والعنف

شهادة الشيخين حسان ويعقوب كانت بمثابة محاكمة لهما، ولما يعتنقان من فكر سلفي لم يرق لرئيس المحكمة الذي طالب حسان بتلقي العلم الشرعي في الأزهر الشريف، وكأن كل العلماء الذين لم يدرسوا في الأزهر في مشارق الأرض ومغاربها مشكوك في أهليتهم العلمية، كما أن الشهادة جرت في أجواء “مكارثية” تشرع بنادق السلطة في وجه كل من يعارضها، أو يرفض مداهنتها، وقد حاول الشيخان “الإفلات بجلدهما سالمين” لكن هذا السلوك يتصادم مع الصورة الذهنية التي رسمها هؤلاء الشيوخ وغيرهم للشباب عن ثبات العلماء على كلمة الحق مهما كلفهم ذلك من ثمن، والنموذج الأبرز للاستشهاد به في هذا المقام هو الإمام أحمد بن حنبل الذي ينتسب الشيخان لفقهه (هنا يجدر التذكير بمواقف العديد من رافضي الانقلاب شيوخا وشبابا أمام المحاكم، وجرأتهم في مواجهة بعض القضاة الذين بدوا كجنرالات تحقيق لا حماة عدالة).

وإذا كان الشيخ أفلت من مصيدة اتهام النوايا، كما أنه أقر ضمنا بمظلومية الإخوان وإن دعاهم للاقتداء بالحسن لا بالحسين حقنا للدماء، فإنه شهد شهادة زور حين نسب للإخوان دعوتهم للقتل والعنف، وهو الذي سمع كغيره من الملايين مقولة مرشد الإخوان من فوق منصة رابعة “سلميتنا أقوى من الرصاص” وهي المقولة التي ما فتئ الكثيرون يتهكمون عليها بعد أن سالت دماء المعتصمين والمتظاهرين السلميين، لكن جماعة الإخوان ظلت متمسكة بها، وحين لجأ البعض لاستخدام القوة ردا على القمع الأمني فإن الجماعة تصدت لذلك بشدة، واتخذت من الإجراءات ما تسبب في انشقاق البعض عنها، واتهامها بكل نقيصة، ورغم أن نظام السيسي وكفيليه الإماراتي والسعودي سعوا لدى الحكومة البريطانية ومن بعدها الأمريكية لإدراج جماعة الإخوان كجماعة إرهابية إلا أن جهات التحقيق في كلتا الدولتين لم تجد أدلة على هذا الاتهام، وبالتالي لم تستجب للمطالب السعودية التي دفعت فيها المملكة مليارات الدولارات.

لقد كان موقف الإخوان ومن شايعهم الملتزم بالسلمية هو العاصم للوطن من حرب أهلية كانت لتقضي على اليابس والأخضر وتحول مصر إلى صومال جديدة، وكان الواجب الشرعي للشيخ هو الشهادة بذلك وفي أضعف الإيمان الصمت، لكنه تطوع بهذه الشهادة الزور حتى دون طلب من المحكمة.

واجب العلماء قول الحق فإن لم يستطيعوا فليتجنبوا قول الزور.

انتقد الشيخ الأداء السياسي للإخوان في السلطة وهذا حق له ولغيره، لكنه حين اتهمهم  بالفشل في الانتقال من فقه الدعوة والجماعة إلى فقه الدولة، والفشل في استيعاب المختلفين معهم فكريا من الألوان الأخرى لم يمتلك الشجاعة لانتقاد نفسه بأنه ومن على شاكلته من الدعاة كانوا من أسباب ذلك، ومن أسباب الاستقطاب الكبير في البلاد، وأسباب هلع المسيحيين، وأنه شخصيا كان ينتقد تهاون الرئيس مرسي في تطبيق الشريعة، وتهاونه مع خصوم التيار الإسلامي، بل كان هو وأشباهه السبب في أزمة الجمعية التأسيسية للدستور حول المادة 219 المفسرة للشريعة والتي لم يكن لها أي لزوم أصلا، وقد تم نزعها من التعديلات اللاحقة بعد الانقلاب دون أن يطرف له ولغيره جفن ممن قاتلوا لأجلها من قبل.

مع رفضي لجزء كبير من شهادة الشيخ حسان، إلا أنني لا يمكنني انتزاعها من سياقها من ناحية، كما لا يمكنني تجاهل خطة النظام في شيطنة الدعاة والدعوة الإسلامية عموما، وحرصه على الهيمنة الكاملة عليها بما في ذلك الأزهر الشريف نفسه، والذي سعى النظام كثيرا لجره لمعركته فيما يسمى تجديد الخطاب الديني والتي تعني التنازل عن بعض الثوابت الإسلامية إرضاء لأعداء الإسلام، وفي كل الأحوال فإن واجب العلماء قول الحق فإن لم يستطيعوا فليتجنبوا قول الزور.

المصدر : الجزيرة مباشر


المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة