موسم الهجوم على اللاجئين السوريين في تركيا!

كمال كيليشدار أوغلو

في إطار استعداداتها للمعركة الانتخابية المقرر إجراؤها منتصف عام 2023 بدأت أحزاب المعارضة التركية حملتها الانتخابية مبكراً، مستهدفة توظيف ملف قضية اللاجئين السوريين في معركتها، ذلك الملف الذي اعتادت على استغلاله، سعيا وراء تحقيق هدفين لا ثالث لهما، وذلك خلال السنوات العشر الماضية، هي عمر الثورة السورية وبداية تدفق اللاجئين السوريين إلى تركيا.

أول هذه الأهداف السعي للنيل من شعبية حزب العدالة والتنمية الداعم الرئيس للوجود السوري على الأراضي التركية، والحد من شعبيته بين قاعدته التصويتية، الأمر الذي سيصب حتما في مصلحتهم، ويقربهم ولو خطوة في طريق تبوُّء مقعد السلطة بالبلاد.

أما ثانيها فيتمثل في ابتزاز الاتحاد الأوربي، وإرغامه على الرضوخ لتحقيق حلم مصطفى كمال أتاتورك بالانضمام إلى المنظومة الأوربية، من خلال التهديد بفتح الطريق أمام اللاجئين الراغبين بالعيش في دول أوربا، الرافضين العودة إلى سوريا أو أولئك الذين سيكون من الصعب إجبارهم على العودة لنظام بشار الأسد ضاربين عرض الحائط بخطورة هذا النهج، الذي سبق أن أدى إلى حدوث مصادمات دامية بين المواطنين الأتراك واللاجئين السوريين، وأودى بحياة العديد من الجانبين.

وهو الأمر الذي يتكرر اليوم بمزيد من العنف والعنصرية، مع إصرار حزب الشعب الجمهوري وحليفه حزب الجيد على تصوير السوريين وكأنهم السبب الوحيد لكل ما يعانيه المواطن التركي، وما يواجهه في حياته اليومية من صعوبات ومشاكل.

فالسوريون هم سبب الأزمة الاقتصادية وارتفاع نسبة البطالة بين الأتراك، كما أنهم السبب في زيادة نسبة التضخم وانخفاض قيمة العملة التركية، إلى جانب مسؤوليتهم الكاملة عن تلك الزيادات المستمرة في أسعار إيجارات الشقق السكنية، والخدمات الاستهلاكية بل والسلع الغذائية، هذا بخلاف استحواذهم على كامل الدعم الحكومي في جميع تفاصيل حياتهم اليومية من سكن وتعليم ورعاية صحية ودعم مالي يصرف لهم شهريا، وهو ما لا يتحصل عليه الأتراك أنفسهم!

وهي الادعاءات التي نفاها مسؤولو العدالة والتنمية مرارا، محذرين من التداعيات الخطيرة للمستفزين والمحرضين على معاداة اللاجئين وتأثيرات ذلك على الأمن والسلم المجتمعي.

الخطابات العنصرية والتصريحات العدائية

ورغم ذلك لا يزال زعيما الحزبان مستمرين في خطاباتهم العنصرية وتصريحاتهما العدائية المحرضة على اللاجئين، وتجاهل وجود أزمة طاحنة يعيشها العالم أجمع نتيجة تفشي وباء كورونا، الأمر الذي أدى إلى تدهور الأوضاع الاقتصادية، وتدني الأحوال المعيشية، وارتفاع حجم البطالة في الكثير من البلدان.

بل ومتناسين أنه لولا الدور الذي لعبه الوجود السوري في إنعاش الاقتصاد التركي، لكانت النتائج أسوأ من ذلك بكثير، وقد تدفقت الأموال السورية على مختلف المحافظات التركية، وزيادة حجم الاستثمارات التي اتسع نطاقها لتشمل الكثير من المجالات الصناعية والتعليمية والاستهلاكية، إلى جانب حالة الانتعاش التي يعيشها سوق العقارات التركية نتيجة عمليات الشراء التي يقوم بها العرب عموما، والسوريون على وجه الخصوص.

لقد أسهم السوريون فعليا في الحد من ارتفاع مؤشر البطالة نتيجة مشروعاتهم التجارية، التي يتم الاستعانة فيها بالأيدي العاملة التركية، وفق ما تنص عليه القوانين التركية، التي تلزم أصحاب العمل الأجانب بالاستعانة بالمواطنين الأتراك في مشروعاتهم بنسبة 1: 5، أي أن كل أجنبي يتم تشغيله في أي مؤسسة أو مشروع تجاري أو صناعي يجب أن يقابله تشغيل خمسة من الأتراك.

السوريون والشخصيات السياسية المكيافيلية

لكن يبدو أن النجاحات التي استطاع حزب الشعب الجمهوري تحديدا تحقيقها في آخر انتخابات بلدية شهدتها تركيا، واستحواذه على أهم المدن وأكثرها كثافة سكانية، كإسطنبول وأنقرة وإزمير وأنطاليا أغرته وفتحت شهيته لزيادة حدة خطابه العنصري ضد السوريين، طمعا في كسر شوكة حزب العدالة والتنمية، وتحقيق مكاسب سياسية برلمانية ومحلية أكبر، بل وطمعا في مقعد الرئاسة، حتى وإن كان ذلك على حساب أمن وسلامة المجتمع التركي نفسه، وأرواح لاجئين أبرياء ألقت بهم المقادير في براثن شخصيات سياسية مكيافيلية، تعتمد مبدأ الغاية تبرر الوسيلة، فبغض النظر عن الثمن الذي يمكن أن يدفعه المجتمع، أو الكوارث التي سيخلفها ذلك الخطاب العنصري، وتلك الكراهية المقيتة التي يتوارثها العلمانيون لكل ما هو عربي -عدا الأموال بالطبع- أو عدد الضحايا الذين سيفقدون أرواحهم  جراء ذلك، كل ذلك ليس أهم من اعتلاء السلطة والعودة إلى حكم البلاد.

زيادة حدة الكراهية التركية للاجئين عموما

خطاب العنصرية الذي تتبناه أحزاب المعارضة، أسفر عن زيادة حدة الكراهية والرفض التركيين للاجئين السوريين، والذي وصلت نسبة هذا الرفض عام 2019 إلى 67%، بينما لم يتخط في عام 2016 نسبة 57%، وفق استطلاع سبق أن أجراه مركز الدراسات التركي التابع لجامعة “قادر هاس”.

ومع تداعيات أزمة كورونا وما خلفته من مشاكل اقتصادية واجتماعية تصاعدت حدة أعمال العنف التي تستهدف اللاجئين السوريين، حيث تم تعقبهم وتخريب ممتلكاتهم، والتحرش بهم لفظيا وجسديا.

لتزداد الأمور سوءا مع تدفق اللاجئين الأفغان على تركيا بكثافة نتيجة الحرب القائمة هناك بين الحكومة الأفغانية وحركة طالبان على خلفية انسحاب القوات الأمريكية، الأمر الذي أسهم في زيادة حدة التوتر التركي تجاه اللاجئين عموما، حيث تم إطلاق حملة عبر مواقع التواصل الاجتماعي بعنوان “لا أريد لاجئ في بلدي، أوقفوا الغزو الصامت”.

ليتحول الأمر إلى نوع من المواجهة الاجتماعية التي اتسمت بالعنصرية والنفور تلبية لتوجهات الخطابات العدائية لعدد من الشخصيات السياسية المعارضة.

ومن هنا يتضح المعنى الخفي وراء تصريحات كمال كيليشدار أوغلو التي ازدادت عنصرية وشراسة، وكان آخرها وعده للأتراك حال وصوله إلى كرسي الرئاسة عام 2023 بإعادة السوريين إلى بلادهم في غضون عامين، مؤكدا وجود خطة جاهزة لذلك، تعتمد مبدأ المصالحة مع نظام بشار الأسد وإعادة السفير التركي إلى دمشق، والحصول على التمويل اللازم من الاتحاد الأوربي لبناء مدارس وشركات ومصانع للسوريين في بلادهم!

ويبدو أن ما حققه الشعب الجمهوري في انتخابات المحليات الأخيرة، وموقفه الذي يزداد شراسة وضراوة قد شجع عددا آخر من الأحزاب السياسية التركية، من ضمنها أحزاب إسلامية لتبني نفس النهج الرافض لاستقبال المزيد من اللاجئين، والمطالب بإخراج السوريين من تركيا وإعادتهم إلى بلادهم.

ليبقى حزب العدالة والتنمية وحده يصارع دعوات العنصرية، ويتصدى لخطابات الكراهية التي أصبحت سمة الخطاب السياسي للعديد من الأحزاب التركية بمختلف توجهاتها، علها هي الأخرى تستطيع تحقيق بعض النجاحات في الانتخابات المرتقبة.

المصدر : الجزيرة مباشر


المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة