النهضة- طالبان.. من يرفض الخوخ يرضى بشرابه

(من لم يرض بالخوخ يرضى بشرابه) مثل مصري لمن يرفض شيئا حسنا فيضطر لقبول الأسوأ، وهو مثل يجسد حالة القوى المعادية للتيار الإسلامي عقب وصول حركة طالبان إلى القصر الرئاسي في العاصمة الأفغانية كابول، بعد أيام قليلة من انقلاب الرئيس التونسي قيس سعيد على البرلمان التونسي برئاسة راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة، شتان بين حركة طالبان ودولتها أفغانستان في قلب آسيا، وحركة النهضة ودولتها تونس شمال أفريقيا، حين وقع الانقلاب الدستوري الذي استهدف حركة النهضة تحديدا في تونس تراقص الكثيرون هنا وهناك فرحا، رغم أن ما حدث استهدف في الحقيقة المسار الدستوري والديمقراطي الوليد في تونس بعد ثورة الياسمين، ولم تقتصر تداعياته على حركة النهضة (المستهدف الرئيسي) بل شملت المشهد السياسي التونسي برمته، ولا يعرف أحد إلى أين تتجه تونس في ظل رئيس شعبوي يفكر ويتحرك خارج الصندوق.

من ولاية إلى أخرى

لقد جرى استهداف حركة النهضة رغم ما قدمته من مرونة وتنازلات فكرية وسياسية سبقت بها كل الحركات الإسلامية في عموم المنطقة، شملت ما تعتبره تلك الحركات ثوابت وأصول، ولا تزال تبدي استعدادها للمزيد من التنازلات من أجل التوافق الوطني، ولكن لم يشفع لها كل ذلك في تجنب العدوان عليها.

لم يمض أسبوعان على انقلاب تونس حتى تداعت الأنباء من أفغانستان بتقدم قوات طالبان من ولاية إلى أخرى وصولا إلى العاصمة كابل والسيطرة على مقاليد الحكم، في مفاجأة أذهلت العالم كله، وكأن القدر يقول لمن لم يرضوا بالنهضة عليكم أن ترضوا بطالبان، وهو ما تشي به التطورات والتصريحات الرسمية الدولية، فرغم المخاوف التي أبداها البعض على الحريات السياسية والاجتماعية في أفغانستان إلا أن هناك قبولا متصاعدا بطالبان، ورغبة في منحها فرصة جديدة خاصة مع صدور تطمينات من قادتها للمجتمع الدولي والمحلي.

النهضة وطالبان على طرفي نقيض داخل الحركة الإسلامية، الأولى أقصى الاعتدال والثانية أقصى التشدد (مع استبعاد القاعدة وداعش لأنهما بعيدين عن النضال السياسي)، وبينهما طيف متنوع من الحركات والقوي والأحزاب السياسية الإسلامية تتفاوت في درجات اعتدالها وتشددها، ومشاركتها في السلطة أو المعارضة.

بعد انقلاب تونس ومن قبله انتكاسات الإسلاميين في مصر والسودان ظهرت مقولة (نهاية حكم الإسلاميين، ونهاية وجودهم في المشهد السياسي) حيث البيئات المحلية والإقليمية والدولية رافضة لهم، ولن تسمح بعودتهم مجددا، وتصاعدت وفقا لذلك حالة من الإحباط لدى بعض منتسبي التيار الإسلامي، لذا لم يكن غريبا تعبيرهم ان الفرحة البالغة بانتصار طالبان وعودتها للحكم الذي طردت منه قبل عشرين عاما، لقد فتحت تلك العودة أبواب الأمل مجددا، وحطمت صورة ذهنية أرادت قوى الثورة المضادة زرعها لدى شعوب المنطقة.

ليست النهاية

الحقيقة أن تلك المقولة حول نهاية تاريخ الإسلام السياسي ليست صحيحة على أرض الواقع، بل إنه يخسر جولة ليكسب أخرى، يخسر في مكان ويكسب في آخر، ولو نظرنا فقط على منطقة المغرب العربي فسنجد في الجزائر على الحدود الغربية من تونس فاز الحزبان المنبثقان من جماعة الإخوان (حمس والبناء والتنمية) بحوالي ربع البرلمان، وفي المغرب حافظ حزب العدالة والتنمية على رئاسة الحكومة، أما شرق تونس وأقصد ليبيا فقد فاز خالد المشري برئاسة المجلس الأعلى للدولة لمرة جديدة، وفِي موريتانيا يمثل حزب تواصل المعارضة الرئيسية في البرلمان.

والحقيقة أيضا أن مقولة نهاية التيار الإسلامي تخالف حقائق التاريخ الحديث والمعاصر، فها هي طالبان تعود للحكم بعد عشرين عاما من الغزو الأمريكي، وبعد أن أعلن الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الابن أنه أجهز على الحركة إلى الأبد، وقبل طالبان تعرض الإخوان لحرب استئصال في عهد الرئيس عبد الناصر الذي أعدم عددا من قادتهم وألقى بالآلاف منهم في السجون، وأشاعت دعايته أن الإخوان انتهوا إلى الأبد، ثم عاد الإخوان منذ منتصف السبعينات، وليصلوا إلى رئاسة الجمهورية قبل الانقلاب عليهم في يوليو ٢٠١٣، كما الجماعة الإسلامية في مصر التي تعرضت لحرب إبادة منذ مطلع التسعينات عادت بقوة بعد ثورة يناير، وكلتا الجماعتين وغيرهما من الجماعات ستعودان للظهور مع أول انفراجة سياسية وأمنية.

مع بروز قوة حزب العدالة والتنمية في تركيا بقيادة أردوغان مطلع الألفية الثالثة، والذي تزامن مع صعود نشاط تنظيم القاعدة وبعض التنظيمات الإسلامية المسلحة الأخرى، وقد دفع ذلك مراكز صنع القرار الأمريكية تحديدا وتبعتها الأوربية للترويج للحزب التركي الذي اعتبروه يمثل الإسلام المعتدل، الذي ينبغي تعميمه في بقية الدول الإسلامية لمواجهة زحف التنظيمات المسلحة والمتشددة، وقد يدفع صعود طالبان مجددا -وربما حركات إسلامية مسلحة ومتشددة أخرى-الولايات المتحدة والغرب للعودة إلى صيغة مطلع الألفية الثالثة أي التعامل الإيجابي مع الحركات والأحزاب الإسلامية المعتدلة التي يريد البعض طي صفحتها للأبد.

 

المصدر : الجزيرة مباشر


المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة