التّحرش الجنسي الرّقمي

مظاهرات في مارس الماضي ضد حاكم لولاية أمريكية لاتهامه بالتحرش الجنسي

التحرش الجنسي: سلوك لفظي أو جسدي له طبيعة جنسية يهدف لانتهاك كرامة إنسان ما ضمن بيئة مخيفة ومعادية أو مهينة ومذلة ومسيئة. المتلقي في عملية التّحرش يقرر إن كان ذلك العمل مرغوباً فيه من جانبه أو غير مرغوب ومسيء بغض النّظر عن نيات الشّخص المتحرش. غالباً لا يتعلق التّحرش الجنسي بالجنس بل بالسّلطة. وجوه السّلطة الممنوحة للمتحرش يستقيها من قوته “الجسدية” الفردية أو من سلطة “وظيفته” أو هيمنته الفكرية الثّقافية على الضّحية.

مع تغيّر البيئة الواقعية إلى رقمية انتقلت عملية التّحرش إلى مواقع التّواصل الاجتماعي واتّخذت عدّة مظاهر ارتبطت بالتّغييرات المجتمعية على أرض الواقع.

بظهور جائحة “كوفيد_19” تغيّرت حياة البشر في جميع أنحاء العالم بصورة كبيرة، توقف الكثير من الأعمال والمصالح ووقع معظم النّاس في ضائقة اقتصادية، وكان البديل الوحيد هو “العمل عن بعد” شمل الكثير من الوظائف والمهن بالإضافة إلى التّعليم.

تحت غطاء السرية

انتقال العمل إلى السّاحة الافتراضية نقل معه بالضّرورة جميع المشاكل التي تحدث في الواقع تحت غطاء من السّريّة أحياناً ومن إمكانية التّخفي مما لا يتيحه الواقع ويوفره العالم الافتراضي. أثّرت الجائحة بشكل كبير على المجموعات المهمشة في المجتمع خاصّة الأشخاص الذين ينتمون إلى فئات لا يتقبلها المجتمع في أعمال محددة تتطلّب ظهوراً وفاعلية أثناء الحروب والظّروف الصّعبة التي تمرُّ بها بلدانٌ عديدة في الشّرق الأوسط، والنّساء في مقدمة هؤلاء ويأتي بعدهنّ أصحاب الإعاقات الجسدية أو النّفسية أو العاطفية أو مثليي الجنس، وهؤلاء يَنظر إليهم المجتمع على أنّهم أدنى منزلة من باقي الناس ويعاملون بأسلوب مهين يفاقم من إحساسهم بالدّونية. بالإضافة إلى كبار السّن الذين صُنِّفوا منذ بداية الجائحة على أنّهم عالة على المجتمع ولا بأس من التّخلص منهم.

حالات التّنمر التي تتعرّض لها النّساء العاملات في مجال الصّحافة والإعلام في الشّمال السّوري المحرر – على سبيل المثال-  فاقت المتوقع فقد تضافرت عوامل عدّة في رفض عمل الفتيات في مجال الإعلام مدعومة من جهات سياسية مختلفة مثل جبهة النّصرة من جهة والذّباب الالكتروني الذي يوظِّفه النّظام السّوري لتشويه سمعة العاملين في هذا المجال عن طريق اختراق حساباتهم الشّخصية على الفيس بوك والتّحرش الجنسي سواء كان لفظياً من خلال الرّسائل الالكترونية أو معتمداً على صور وفيديوهات مرسلة عبر المُرسِل الخاص أو تعليقات فاضحة على منشورات الشّخص المستهدف. بالطّبع نسبة النّساء اللواتي يتعرّضن للتحرش أكبر من الرّجال بحكم النّظرة المجتمعية الثّابتة للمرأة مما يضطر الكثيرات لإغلاق حساباتهنّ على الفيس بوك أو تقليل الظّهور وفي أضعف الأحوال تخصيص المنشورات وحصرها في الأصدقاء أو بعدد محدد يتوقع أن يكون موضع ثقة! الملفت للنّظر أنّ الواقع الافتراضي يحمل الكثير من المفاجآت التي تتسبب في إهانة الأشخاص والنّيل من مكانتهم وتصبح سمعتهم في الحضيض.. النّساء خاصة يتعرّضن إلى التّصيّد من خلال استغلال نقاط ضعفهن.

لا ثقة في عالم افتراضي

ليس من السّهل أن تثق النّساء في أحد في هذا العالم الافتراضي، حتّى لو كان شخصاً معروفاً ويضع صورته الشّخصية “بروفايل” ويعرفه آخرون من الأصدقاء.. فالواقع يحمل مفاجآت غير متوقعة بالمطلق من هؤلاء بالتّحديد كما يحدث في الواقع حين تثق طالبة في أستاذها الجامعي وتعتقد أنّه مثل أبيها فتتعرّض بسبب تباسطها وسذاجتها للتّحرش الجنسي والحوادث في هذا المجال – مجال التّعليم العالي-  أكثر من أن تحصى. وأيضاً في جميع الوظائف خاصة الصّحافة والإعلام.

النّاجيات من التّحرش:

لا شكّ أنّ بعض النّساء محميات من التّحرش والنّيل منهنّ ومن سمعتهنّ بسبب “الفجوة الرقمية” التي تحدث بين الأفراد الذين يعيشون ضمن واقع رقمي محدود حيث لاتصل وسائل الاتّصال بسهولة إليهم وفرصهم للوصول للتكنولوجيا واستخدام الانترنت قليل تحدده عدّة ظروف: “خصائص ديموغرافية واجتماعية واقتصادية” وهي _الدّخل والتّعليم والهوية العرقية والموقع الجغرافي. كما تلعب السّن دوراً، ومهارات الوعي والمواقف السّياسية والثّقافية والسّيكولوجية وأيضاً الهوية الجنسانية. بالإضافة إلى النّزوح فهؤلاء الذين فرّوا من ديارهم بسبب كوارث طبيعية أو ظروف الحروب المشتعلة في المنطقة أو القتل الممنهج من أجل التّغيير الديمغرافي – كما يحدث في سوريا – هؤلاء لا يجدون سهولة في الحصول على فرص التّواصل الاجتماعي.

الهوية الجنسانية الرقمية – الفجوة – في تلك الظّروف تكون فيها فرص الفتيات والنّساء أقل في الوصول إلى التّكنولوجيا مقارنة بالذّكور ويتبع ذلك الإمكانية المادية التي تتيح الوصول إلى الانترنت، والأفكار النّمطية التي تكرّس مفاهيم محددة حول عالم الأنترنت بأنّه خاص بالذّكور “رجال وفتيان وحتّى أطفال” وأيضاً بسبب الفكرة السّائدة عن الحريّة التي لا يمكن مراقبتها من قبل الأسرة والمجتمع في حال أتيحت للإناث، وقد سُجّلت في هذا المجال جرائم قتل راح ضحيتها فتيات مراهقات من قبل أقاربهن رمياً بالرّصاص بسبب صورة لهنّ على الانترنت “انستغرام وفيس بوك”.

تصنّف تلك الجرائم تحت بند “جرائم الشّرف” وينفد القاتل منها ورأسه مرفوع. مثل تلك المحظورات يشكّل ميلاً عند معظم النّساء لاتّباع مبدأ “الوقاية خير من العلاج” فيبتعدن عن هذا العالم خشية التّمييز ضدّهن وخوفاً من التّحرش والوقوع فرائس بين أيدي خبيرة في اختراق الحساب كخبرتها في التّصيد. قلائل هنّ اللواتي يستمررن في عملهنّ بغض النّظر عمّا يتعرّضن له من ضغوطات متحديات كلّ الصّعوبات في سبيل الوصول إلى هدفهنّ، ليس بالمساواة مع الرّجل بل بانتزاع حقّهن بالعمل الذي يحببنه متصالحات مع المحيط الذي يحاربهنّ ويلقي اللوم عليهنّ مؤكداً أنّ عليهنّ تحمل نتائج “تحرّرهنّ” وعدم الاعتراف بأنّهنّ ضحايا فهنّ اللواتي عرّضنّ أنفسهنّ للتحرش؛ لأنّهنّ خرجن للعمل في مجال لا يصلح لهنّ!

مع ملاحظة أنّ النّاجيات من التّحرش الرّقمي لسن ناجيات بالضّرورة من التّحرش على أرض الواقع خاصة في المخيمات.

 

المصدر : الجزيرة مباشر


المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة