طالبان والحركات الإسلامية.. تعاون أم صدام؟

وفد طالبان في واحدة من جوالات المفاوضات مع الوفد الأمريكي

يتسع تعريف الحركات الإسلامية ليشمل كل القوى التي تسعى للتغيير انطلاقا من رؤيتها الإسلامية سواء سنية أو شيعية، صوفية أو سلفية، وبالتالي لا يعني عنواننا أن طالبان ليست من هذه الحركات الإسلامية، بل المقصود هو استشراف موقف الحركة تجاه غيرها من الحركات الإسلامية في الداخل الأفغاني وخارجه

ما أثار هذا السؤال أمران أولهما مرجعية الحركة “الديوبندية الصوفية” على خلاف باقي الحركات الإسلامية السنية التي يغلب عليها الطابعين السلفي أو الإخواني، والأمر الثاني هو التزام الحركة بجملة من التعهدات في اتفاق الدوحة الموقع في فبراير 2020 حول مكافحة الإرهاب وهو ما يمس بطريقة مباشرة أو غير مباشرة هذه الحركات.

البداية

ولدت حركة طالبان في العام 1994في أتون حرب طاحنة بين فصائل المجاهدين الذين نجحوا لتوهم في إسقاط الحكومة الشيوعية برئاسة نجيب الله، ومن قبلها الغزو السوفيتي لأفغانستان الذي استمر قرابة السنوات العشر، لكن المعارك حول السلطة الجديدة انفجرت بين هذه الفصائل نفسها، وراح ضحيتها 50 ألف قتيل، وشوهت سمعة الجهاد والمجاهدين، وتسبب هذا الاقتتال في الفلتان الأمني والمعاناة الشديدة للمواطنين فظهرت حركة طالبان لتعيد الأمن المفقود، وكانت مواجهتها مع كل هذه الفصائل “الإسلامية” أيضا، والتي اعتبرتهم طالبان قوى الشر، لكن الحركة التي خاضت قتالا مريرا ضد تلك الفصائل المتناحرة، وانتصرت عليهم في العام 1996استقبلت في العام نفسه أسامة بن لادن زعيم تنظيم القاعدة الذي طردته الخرطوم، وسمحت لتنظيم القاعدة بالعمل على أرضها، وحين وقعت تفجيرات برجي التجارة العالمية في نيويورك 11 سبتمبر 2001 رفضت تسليم بن لادن للأمريكان، ودفعت الثمن باهظا بغزو أمريكي أطاحها من السلطة وبقى في البلاد لعشرين عاما.

كان الظن السائد خارج أفغانستان من قبل أن طالبان حركة سلفية، لكن الجميع يعرف الآن أنها جزء من المدرسة الديوبندية الصوفية، وحتى النسبة القليلة من السلفيين الذين انخرطوا في صفوف الحركة من قبل غادروها إلى تنظيمي القاعدة وداعش، كما أن الحركة أصبحت مقيدة باتفاق الدوحة الذي فرض عليها عدة التزامات بخصوص أمن الولايات المتحدة و”حلفائها”، وبالتالي قد تحرص طالبان على وجود مسافة بينها وغيرها من الحركات الإسلامية حتى المتعاطفة معها تجنبا لاتهامها بخرق اتفاق الدوحة.

في الداخل الأفغاني هناك جمعيات إسلامية، وقد تباين تعامل طالبان معها فهي تعاملت بلطف “غير متوقع”مع فعاليات نظمتها جمعيات شيعية بمناسبة عاشوراء، بل شارك أحد قادتها في أحد الاحتفالات، وتركت الحركة جمعية الإصلاح القريبة من الإخوان تعمل بشكل طبيعي حتى الآن، لكنها أغلقت مقار جمعية إحياء السنة وهي جمعية سلفية، كما واجهت الحركة تنظيم ولاية خراسان (التابع لداعش) وتعهدت باستمرار ملاحقته.

هناك حركات إسلامية في الدول الحدودية كان لطالبان معها علاقات جيدة من قبل مثل الحزب الإسلامي في أوزبكستان، وجماعات الإيغور الصينيين الذين أوتهم الحركة في أفغانستان خلال فترة حكمها الأولى، كما اعترفت بدولة الشيشان إبان حربها مع روسيا، وفتحت لها سفارة في كابل، وكان لديها علاقات طيبة مع حركة طالبان باكستان المعارضة للسلطة، لكن هذه العلاقات ستتغير مع طالبان الجديدة التزاما ببنود اتفاق الدوحة، أو التزاما باتفاقيات ثنائية مع دول الجوار.

التحديات

تواجه حركة طالبان تحديات كبرى في إدارة شؤون الحكم ونيل الاعتراف الدولي الذي يفتح لها باب المساعدات والاستثمارات الخارجية، ولذا فهي تحتاج لتطوير خطابها، وسياساتها بما يفتح الباب لهذا القبول الدولي، كما أنها ملزمة في الوقت نفسه ببنود اتفاق الدوحة الخاصة باحترام أمن الولايات المتحدة وحلفائها، وهذا قد يدفعها للابتعاد قليلا عن الجماعات والحركات الإسلامية المعارضة لنظمها خارج أفغانستان، وهي في نفس الوقت تحتاج لهذه الجماعات والحركات في تسويق الحركة لدى الشعوب العربية والإسلامية، وتوفير ظهير شعبي دولي لها.

هناك مخاوف من إمكانية توظيف الحركة ولو بطريقة غير مباشرة من بعض الأطراف الدولية ضد باقي الحركات الإسلامية السنية على طريقة “المداخلة” أو بعض الطرق الصوفية، لكن طبيعة الحركة باعتبارها حركة محلية يقلل هذه المخاوف، فالتحديات الداخلية التي تواجه الحركة تستنفذ كل طاقتها، ولا تسمح لها بالاشتباك مع غيرها من الحركات، بل ربما تدفعها لطلب العون من بعضها.

تجربة طالبان الحالية هي الثالثة في أفغانستان كحكم إسلامي منفرد، كانت التجربة الأولى مع فصائل المجاهدين الذين نجحوا في دحر الغزو السوفيتي عام 1989، ثم هزيمة الحكومة الشيوعية عام 1992، لكنهم فشلوا في إدارة الدولة، بل صار باسهم بينهم شديد، ووقع الاقتتال بينهم الذي أودى بآلاف الأبرياء المدنيين، والذي سحب كل ما تبقى من رصيد للجهاد الأفغاني، وكانت التجربة الثانية لحركة طالبان نفسها بعد هزيمتها لفصائل المجاهدين المتناحرين، ووصولها إلى الحكم في العام 1996 حتى 2001، وقد فشلت التجربة أيضا بعض النظر عن أسباب ذلك الفشل أو الإفشال، ولم تعترف بها سوى 4 دول هي باكستان والسعودية والإمارات وبنجلادش، والآن تبدأ الحركة التجربة الثالثة، ورغم أن الحركة أطلقت عدة رسائل لطمأنة المجتمع الأفغاني والمجتمع الدولي، إلا أنها أرسلت رسالة سلبية عند تشكيل حكومتها الجديدة التي لم تضم أحدا من خارج الحركة حتى لو كان مجرد “تكنوقراط” على عكس ما كان يتوقع الجميع، ومع ذلك فقد سمعت شخصيا من قيادات دعوية وأكاديمية أفغانية تنتمي لجماعات إسلامية أخرى حرصهم على إنجاح هذه التجربة، لأنها ستكون الفرصة الأخيرة للإسلاميين في تولي السلطة في أفغانستان، وكما يقول المثل “الثالثة ثابتة”، وترى هذه الأصوات الداعمة أن البديل لنجاح تجربة طالبان هو عودة الفوضى والاقتتال وهو مالا يحتمله المجتمع الأفغاني بعد هذه العقود الطويلة من الحروب والدمار، لكن المسؤولية الأكبر لنجاح التجربة ستقع على حركة طالبان نفسها، وعلى سياساتها وممارساتها في إدارة الدولة.

 

المصدر : الجزيرة مباشر


المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة