حقيقة الفشل الغربي في أفغانستان!

الرئيس الأفغاني السابق

مرة جديدة وكالعادة فشل الغرب في الإمساك بأحد أكبر الملفات الساخنة في المنطقة منذ تفجيرات 11 سبتمبر، وما أعقبها من تدخلات غير محسوبة في عدة بلدان أدت إلى كوارث، وهجرات جماعية، وعدم استقرار عالمي.

سقطت أسطورة الغرب وأمريكا، وأسطورة السير في فلكهما، وحقيقة دمقرطة الدول وتحديث نظمها السياسية على غرار النظم الديمقراطية الغربية، وكشفت حقيقة سقوط كابل والفرار المريع للمتعاونين الأفغان مع القوات الأجنبية على أجنحة الطائرات وسط حالات من الذعر والخوف عن حقيقة العالم المنافق والخداع الأمريكي!

صورة من أكثر الصور درامية في العالم، هؤلاء الناس وهم يجرون خلف الطائرات، يحاولون التشبث بأمل واهٍ، بعد إن فشلت أمريكا والغرب في تحقيق ما وعدوا به من ديمقراطية واستقرار ورخاء!

كنت شاهدا في كل سنة تحديدا في الأسبوع الثاني من فبراير من كل عام على مؤتمر ميونيخ للسياسات الأمنية

لم يكن ها الفشل الأمريكي ومن خلفه الحلفاء الغربيون وليد لحظة سقوط العاصمة في يد طالبان، ولا وليد الظروف التي سمحت لهم بالتدخل في أفغانستان قبل عشرين عاما بحجة مكافحة الإرهاب، إنما كان تدخلا سطحيا، مظهريا، تليفزيونيا، كما هي العادة الأمريكية في التسويق لقوة الكاوبوي الخارقة التي لا تكترث بحقوق الإنسان في الموروث الثقافي والعقائدي لدى الشعوب.

ربما أن أكثر الأسرار التي يريد العالم توضيحا لها الآن هي كيف خرجت حركة طالبان من العدم لتفاجئ أفغانستان والعالم؟ ثم لماذا فشلت أمريكا في تحقيق أهدافها رغم حجم الأموال التي أنفقتها؟ ولماذا أيضا انتشر الفساد بين الطغمة الحاكمة الأفغانية ورافق ذلك بالتأكيد انتشار الفقر وتجارة المخدرات؟

تبدو الإجابة على كل تلك الأسئلة مشروعة، لكن التبرير الأمريكي لهذا الفشل هو كما تقول أمريكا بكل بساطة يرجع إلى طبيعة الأفغان وثقافتهم وعدم استعدادهم لتحديث أنفسهم!!

كنت شاهدا في كل سنة تحديدا في الأسبوع الثاني من فبراير من كل عام على مؤتمر ميونيخ للسياسات الأمنية الذي يناقش سياسة حلف الناتو والغرب وبؤر التوتر في العالم وكيفية الاستعداد لحلها، وكانت أفغانستان بندا ثابتا على بنوده، وطالما تحدث في هذا المؤتمر الرئيس السابق حامد كرازي المدعوم من الغرب عن الإنجازات التي تحققت في أفغانستان في عهد التدخل الغربي، وفي كل مرة كان يبرر الوجود الأجنبي في بلاده حتى بات كرازي أضحوكة العالم ومثال للضعف والتبعية.

وكان كل وزراء دفاع الناتو يتحدثون طيلة عشرين سنة في هذا المؤتمر عن مدى التحول الكبير في أفغانستان، وكيف تقوم أمريكا والدول الحليفة بتطوير الجيش الأفغاني، وتطوير التعليم، بل وتطوير نهج البلاد ليصبح غربيا ديمقراطيا غير أن الحقيقة ظهرت الآن وظهر أن كل ما قيل في كل تلك المؤتمرات وغيرها أكذوبة كبيرة، وأن كل التريليونات التي تم صرفها راحت أدراج الرياح وكان مصيرها الفشل، وأبرز ملامح الفشل الذاتي هو هروب الرئيس أشرف غني وحاشيته برفقة حقائب من الأموال التي حملوها معهم في صورة تبرز إلى أي مدى وصل فساد الحكام الأفغان في عهد الاحتلال.

الرئيس الهارب كان دائما يعلق على أن مصير اللاجئين الأفغان سينتهي بغسيل الأطباق في مطاعم الخارج

الغريب أن هذا الرئيس الهارب كان دائما يعلق على أن مصير اللاجئين الأفغان سينتهي بغسيل الأطباق في مطاعم الخارج فأصبح هو أول الفارين، ولكن ليس الرئيس الأفغاني وحده إنما ثمة قصص درامية وأخرى مضحكة للهروب العشوائي مثل سائق الشاحنة الذي ذهب به الفضول إلى الذهاب إلى مطار كابل لرؤية ما يحدث هناك فانقطعت أخباره حتى أن عائلته اعتقدت أنه قتل لتفاجئ بعد 3 أيام أنه يتصل بهم من أمريكا بعد أن تمكن من دخول إحدى الطائرات!

إن ثمة مشكلة حقيقية ترافق سقوط كابل وهي تدافع موجات هجرة جديدة إلى الغرب خوفا من حكم طالبان، وهناك تحذيرات غربية جادة ومتكررة من موجات هجرة على غرارالموجة السورية في سنة 2015 وهو ما أعاد إلى الأذهان نفس النغمة السابقة ما بين مؤيد ومعارض فيما حذر وزير الداخلية الألماني من أن قرابة الخمسة ملايين شخص مستعدون للفرار من أفغانستان.

المسؤولية عن كل هذا التدهور وموجات الهجرة المتوقعة تعود بالدرجة الأولى إلى حكومات الاحتلال التي ىخلت في أفغانستان، فقد كشف النقاب عن إخفاقا استخباريا كبيرا خلال العقود الأخيرة فيما وصف محلل أمريكي طريقة عودة طالبان إلى الحكم بالمحنكة في طريقة سيطرتها على البلاد.

إذن ـ هل هذه الطريقة المحنكة قد تستبعد أن تصبح أفغانستان ملاذا للتنظيمات الجهادية خاصة وأن القاعدة فقدت الكثير من قوتها السابقة كما أن طالبان لعبت دورا كبيرا في إلحاق الهزيمة بتنظيم الدولة الإسلامية؟

مما لا شك فيه أن اختلاف التوجهات بين تلك التنظيمات مع الأخذ في الحسبان الاتفاق الأمريكي مع طالبان سيجعل المنطقة تدخل في صراعا داخليا قد يجني الغرب ثماره في حصر العنف داخل أفغانستان وعدم تمدده للخارج، ذلك أن أهداف القاعدة وداعش تختلف عن أهداف طالبان التي تركز على توسيع وترسيخ سلطتها في أفغانستان بينما تنشط التنظيمات الأخرى على المستوى الدولي ولا تهتم بالحدود.

من السابق لآوانه الحكم بما ستؤول اليه الأوضاع في المنطقة الآن، فلابد من التريث حتى تظهر التحالفات الجديدة وتأثيرتها وعندها ستكون هناك مسارات وتغيرات جيوسياسية من الصعب التنبوء بها حتى الآن.

المصدر : الجزيرة مباشر


المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة