هل كانت الصّوفيّة المعاصرة مطيّةَ الاحتلال الأجنبيّ والاستبداد السّياسيّ؟

جماعة محمود بك التي خرجت ضد الانقلاب في تركيا

تُتَّهم الصّوفيّة عمومًا والمعاصرة منها على وجه الخصوص وأتباعها من الشّيوخ والمريدين أنّها مطيّة الاحتلال والاستبداد، حتّى غدت هذه الصّورة هي النّمطيّة المتبادرة إلى أذهان الكثيرين عند ذكر هذه القضيّة، فما هي مساحةُ الحقيقة في هذا التّنميط؟

 اختزالٌ تدليسيّ ثمّ تعميمٌ ظالم

ودوما يتمّ استحضار مثال نابليون بونابرت عند دخوله مصر محتلًّا كيفَ أنّه استمال بعض شيوخ الصّوفيّة عن طريق بذل المال لعقد احتفال المولد النبويّ كما يذكر الجبرتيّ في تاريخه.

وعبد الرّحمن الجبرتي (توفي 1825هـ) مؤرخ مصري عاصر الحملة الفرنسيّة على مصر، وكتب تاريخه المعروف بتاريخ الجبرتي واسمه ” عجائب الآثار في التراجم والأخبار” في الجزء المسمّى ” مظهر التقديس بزوال دولة الفرنسيس” يتحدّث الجبرتي عن أن نابليون بعد شهر من دخوله مصر عمل على استمالة أحد شيوخ الصّوفيّة وهو الشّيخ خليل البكري من خلال تبنّي الاحتفال بالمولد النبويّ، يقول الجبرتي:

“سأل صاري عسكر عن المولد النبوي ولماذا لم يعملوه كعادتهم؟ فأعتذر الشيخ البكري بتعطيل الأمور وتوقف الأحوال، فلم يقبل “نابليون”، وقال: لابدّ من ذلك، وأعطى له ثلاثمائة ريال فرنساوي معاونة، وأمر بتعليق أحبال القناديل واجتمع الفرنساوية يوم المولد ولعبوا ميادينهم، وضربوا طبولهم ودبادبهم، وأرسل الطبلخانة الكبيرة إلى بيت الشيخ البكري، واستمروا يضربونها طوال النهار والليل بالبركة تحت داره، وهي عبارة عن طبلات كبار مثل طبلات النوبة التركية، و عدة آلات ومزامير مختلفة الأصوات مطربة، وعملوا في الليل حراقة نفوط مختلفة وصواريخ تصعد في الهواء”

وأصدر بونابرت قرارًا بتعيين الشّيخ خليل البكري نقيبًا للأشراف، وذهب بنفسه إلى دار الشيخ خليل البكري، حيث كان المشايخ أعضاء الديوان قد سبقوه إليها، وهناك وفي حضورهم خلع بونابرت خلعة ثمينة على النقيب الجديد، وكان هذا الإجراء إعلانًا رسميًّا بتقلده المنصب، وممارسته لسلطات وظيفته .
ويقول الجبرتي: “وفي ذلك اليوم ألبسَ الشيخ خليل البكري فروةً وتقلّد نقابة الأشراف ونودي في المدينة بأنّ كل من كان له دعوى على شريفٍ فليرفعها إلى النقيب”

هذا الموقف الذي ذكره الجبرتي في تاريخه يتّخذه كثيرون مستندًا لتعميم الحكم على الصّوفيّة بأنّهم مطايا الاحتلال الأجنبيّ، ولكنّ اتّخاذ هذا الموقف لتعميم الحكم على الصّوفيّة فيه اختزال كبيرٌ واجتزاءٌ عجيب للصورة وتعميم أحد أجزائها على المشهد مع أغفالٍ متعمّد لبقيّة أجزاء الصّورة، فالجبرتي نفسه يقول في تاريخه:

“ولكنّ آليّة الحرب الفرنسيّة المتطوّرة، وكفاءة التّدريب العالية للجندي الفرنسي، والوفرة من السّلاح والذّخيرة، والخطّة المدروسة منذ سنوات والخيانة الدّاخلية، كلّ تلك كانت من جملة العوامل المساعدة التي مكّنت فرنسا من كسب الحرب وتحتل مصر، ولكنّ شيوخ الصّوفية الذين هم زعماء الأمة واصلوا الجهاد وأعلنوا به مع الآذان في الصّلوات الخمس، ولقد حاول الجنرال نابليون بونابرت أن يشتري تعاونهم عن طريق تعظيمهم وتشريفهم وتكريمهم فرفضوا جميع ذلك في إباء المسلم الذي لا يرضى إلا بربه”

هذان الموقفان اللّذان يذكرهما مؤرّخ واحدٌ لتيّار يفترض أنّه واحد من احتلال واحد يؤكّد أنّه من الخلل المنهجيّ أو التّدليس العلمي أو الاجتزاء غير الأخلاقيّ وضع الصّوفيّة في سلّة واحدة في العلاقة مع الاحتلال والاستبداد، وهذا ينطبق على السلفيّة أيضًا.

 شيطنةٌ ممنهجة ونماذج مضادّة في مواجهة الاحتلال الأجنبيّ

ضمن محاولات الاحتكار السّلفيّ لرفع راية جهاد الكفّار تمّت عمليّة شيطنة ممنهجة لعموم الصّوفيّة بوصفهم مطايا الاستبداد والاحتلال، وهذا لا يصحّ واقعًا ولا تاريخًا.

فكما أنّ هناك شرائح من الصّوفيّة كانوا وما زالوا مطايا للاحتلال والاستبداد فإنّ هناك أنواعًا من السّلفيّة كانوا وما زالوا مطايا للاستبداد والطّغيان

وكما أنّ هناك شرائح من السلفيّة المعاصرة واجهت الطّغيان والاستبداد فإنّ شرائح واسعة من الصّوفيّة أيضًا أسهمت في العمل الثّوريّ في مقاومة الاحتلالات المتعدّدة عقب انهيار الدّولة العثمانيّة، كما واجهوا الطّغيان والاستبداد وكانوا جزءًا من الرّبيع العربيّ وثوراته.

وعلى سبيل المثال لا الحصر في مواجهة الاحتلالات الأجنبيّة نرى أنّ “الشّيخ عمر المختار” الذي غدا أبرز رموز الثّورة الليبيّة ضدّ الطّليان هو من أتباع الطريقة السّنوسيّة الصّوفيّة، بل إنّ مؤسس الطريقة السنوسيّة “الشيخ محمد بن علي السنوسي” كان من أبرز قيادات الجهاد في مواجهة الطّليان

وكذلك أحد أبرز زعماء الثّورة الجزائريّة “الشّيخ ضدّ الفرنسيين الشّيخ عبد القادر الجزائري” كان أحد شيوخ الطريقة الشّاذليّة وكان قد نقش على خاتمه بيت البوصيري في البردة:

ومَن تَـكُن برسـولِ اللهِ نُصرَتُـهُ

إن تَلْقَهُ الأُسْـدُ في آجــامِهَا تَجِمِ

وكذلك الأمير المغربي “عبد الكريم الخطابي” الذي قاد الجهاد في المغرب ضدّ الاستعمار الفرنسي، والشّيخ الصّومالي “محمد عبد الله حسن” شيخ الطريقة الشّاذليّة الذي قاد الجهاد الصّومالي عشرين عامًا ضد بريطانيا وإيطاليا والحبشة، والشّيخ الموريتاني “ماء العينين” أحد شيوخ الطريقة القادريّة الذي قاد الجهاد ضدّ الوجود الفرنسي في موريتانيا، والشّيخ “علي الدّقر” أحد أبرز تلاميذ الشيخ “بدر الدين الحسني” والذي كان له دور كبير في مواجهة الاحتلال الفرنسي والتنقّل بين المحافظات للتحريض على الثّورة؛ كلّ هؤلاء الشيوخ كانوا من أعلام الصّوفيّة ورموزها في العصر الحاضر.

ولا ننسى سلاطين العثمانيين وكلّهم من الصّوفيّة وأبرزهم السلطان “محمّد الفاتح” الذي فتح القسطنطينيّة وحقّق بشرى النبيّ صلى الله عليه وسلّم بفتحها، وكذلك الإمام “شامل الدّاغساتي” أحد مشايخ الطريقة النقشبنديّة في القوقاز الذي جابه الرّوس على مدار أكثر من خمس وعشرين عامًا.

وهذا لا ينفي وجود صوفيّة تعاونوا مع المحتل وكانوا له مطايا، وكانوا مسوغين للاحتلال تحت ستار الشريعة؛ ولكنّ الحكم المنهجيّ يستلزم رؤية الصّورة كاملة دون تعميم بعض أجزائها مع غفلةٍ أو إغفالٍ لجوانب الصّورة الأخرى.

 في مواجهة الاستبداد السّياسيّ الدّاخلي

أمّا في إطار مواجهةِ الاستبداد السّياسي والطّغيان؛ فإنّه لا يمكن إنكار أنّ المستبدّين والطّغاة استخدموا رموزًا وجماعاتٍ صوفيّةً لخدمة الكرسيّ والطواف حول صنم الطّاغية، ومواجهة ثورات الشّعوب للمطالبة بحقّها في الحياة الحرّة الكريمة العادلة.

وكذلك عملت بعض دول المنطقة على تأسيس مرجعيّات صوفيّة لمواجهة الإسلام السياسيّ وخيارات الشّعوب عقب الرّبيع العربي عبر نماذج مثل “الشيخ الحبيب علي الجفري” و”الشّيخ علي جمعة”.

كما أنّ توجّه الإدارة الأمريكيّة عقب هجمات الحادي عشر من سبتمبر كان الاعتماد على الطرق الصّوفيّة في إطار ما يسمّى مكافحة الإرهاب الإسلاميّ وقد جاء هذا التوجّه منسجمًا مع الدّراسة التي نشرتها مؤسسىة راند عام 2002م ودعت فيها إلى تأسيس تحالف إستراتيجي مع الصوفية لمواجهة التطرف الديني في العالم الإسلامي.

ولكنّ هذا أيضًا جزءٌ من الصّورة لا يجوز تعميمه بالقول إنّ الصّوفيّة هم أعوان الطّغاة، وهم حلفاء الأمريكان في مواجهة الإسلام؛ فهذا نوع من المزايدة الرّخيصة والتّدليس النّابع من خصوماتٍ حزبيّة وتجاذباتٍ بين السلفيّة والصّوفيّة أكثر من كونه تقريرًا لحقائق.

فكما أنّ السلفيّة انقسمت بين من انحازوا إلى ثورات الشّعوب وبين من انحازوا إلى الحكام الطّغاة فالصّوفيّة كذلك انقسموا بين من انحازوا إلى ثورات الشّعوب ومن انحازوا إلى صفّ الاستبداد والطّغيان.

ولو أنّنا أخذنا نموذجًا للمثال والتقريب في الصّوفيّة في سوريا فإننا نجدها قد انقسمت في مواجهة طغيان حافظ الأسد، ففي الوقت الذي انحازت فيه جماعة كفتارو التي تمثّل معقل الطريقة النقشبنديّة إلى حافظ الأسد نجد أنّ جماعة أخرى في حلب معروفة باسم “جماعة أبو ذر” نسبة إلى جامع أبي ذر في حي الجبيلة بمدينة حلب وتعرف أيضًا باسم “جماعة الهدى الإسلاميّة” وهي جماعة صوفيّة أسسها “الشيخ أحمد عزّ الدين البيانوني” المعروف “بأحمد الصياد” قد انخرطت بمجموعها في مواجهة حافظ الأسد.

وكذلك انخرط قسم من جماعة زيد في دمشق التي تنتمي إلى الصّوفية العلميّة في مواجهة الأسد الأب، بينما بقيت جماعات صوفيّة أخرى على قيد الصّمت.

وفي الثّورة السّوريّة نجد العديد من المدارس والطرق الصّوفيّة كانت جزءًا من الحراك الثّوري السلمي، وكذلك الفصائل العسكريّة بعد التحوّل إلى العمل المسلّح.

أمّا الحال في مصر فكان مختلفًا فإننا نرى أنّ أكثر الطرق الصّوفيّة كانت في حالة استقطاب حادّ مع جماعة الإخوان المسلمين والسّلفيين فانحازت إلى الانقلاب الذي قاده السّيسي، وعندما أعلن ترشّحه للرّئاسة أعلن “الشيخ زين العابدين فهمي سلامة” خليفة خلفاء الطرق الرفاعية دعمه لهذا الترشّح قائلًا: “السيسى محبّ للطرق الصّوفية لأنه صوفي الأصل”

كما صرّح رئيس الاتحاد العالمي للطّرق الصوفية “الشيخ علاء أبو العزائم” عقب استلام السيسي الحكم: “نبي الإسلام محمد راضٍ عن السيسي”

ولكن بالمقابل وقفت عموم الطّرق والجماعات الصّوفيّة في مواجهة المحاولة الإنقلابيّة في تركيا عام 2016م، ونزل المريدون إلى الشّوارع لمواجهة دبابات الإنقلابيين، وعلى سبيل المثال كان مريدو جماعة “محمود أفندي” وهم أتباع الطريقة النّقشبنديّة في تركيا ومن أكبر الجماعات الصّوفيّة؛ في مقدمة صفوف النّازلين إلى الشوارع وقد خاضوا بقدراتهم الفرديّة البسيطة أشرس المعارك والمواجهات مع القوات الانقلابيّة في حيّ الفاتح في مدينة إسطنبول.

لقد نجحت الأنظمة المستبدة في توظيف واستخدام العديد من الطرق الصوفيّة لخدمة استبدادها ومواجهة خصومها، لكنّها لم تستطع إخضاع الجميع فبقي من الصوفيّة في مختلف البلدان جماعاتٌ وطرق ترفض الاستبداد وتنحاز للشعوب.

وفي الختام: لا بدّ من التّأكيد أنّ الحديثَ عن الصّوفيّة المعاصرة كما غيرها من التيّارات الدينيّة المعاصرة يحتاج إلى تفكيك الصّورة بطريقة هادئةٍ، ومعرفةٍ بواقعها ومناقشة أحوالها وتفاصيلِها بعيدًا عن الأحكام التعميميّة والتحيّزات المسبقة، وهذا هو الإنصاف الذي قالوا عنه: “الإنصاف عزيز” وقد قال الإمام مالك بن أنسٍ كما يذكر ابن عبد البرّ في “جامع بيان العلم وفضله”: “ما في زمانِنا شيءٌ أقلُّ مِنَ الإِنْصافِ”، ولعمري إن كان هذا في زمانه؛ فكيفَ يكون في زمانِنَا؟

المصدر : الجزيرة مباشر


المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة