التأثيرات الإسلامية في العبادة اليهودية

طائفة يهودية تمارس طقوسا دينية

ليس مستغربا أن يوجد في التشريع الإسلامي تشريعات موجودة في اليهودية، بحكم أن اليهودية تشريع سماوي سبق الإسلام، ومن طبيعة الإسلام وأصوله: أنه جاء مكملا لما قبله من الشرائع، وله معها أحوال: فتارة يأتي متبعا لها، وتارة يأتي ناسخا لها تماما في بعض التشريعات، وتارة يأتي مطورا لها، ولكن الجديد والطريف في مجال البحث العلمي في مقارنة الأديان: هو وجود تأثيرات للدين الإسلامي في التشريع اليهودي، فكيف للاحق أن يأثر في السابق؟! وهو ما لفت انتباه عدد من الباحثين الغربيين والعرب، كان أولهم: باحث يهودي كتب بحثا علميا في أكسفورد، يحمل هذا العنوان: (التأثيرات الإسلامية في العبادة اليهودية)، والباحث هو: نفتالي فيدر، وقد كتبه سنة 1947م، ونشر باللغة العبرية.

وكان أول من انتبه إليها من المفكرين المسلمين: الأستاذ عباس محمود العقاد، حينما وجد تعريفا مختصرا بالكتاب، على غلافه الخلفي، وفوجئ بأن الكتاب لم يكتب باللغة الإنجليزية، بل غلافه فقط، فطلب من أحد الباحثين ترجمته، وعمل على ترجمته، ثم كتب العقاد عن الكتاب مقالا نشره في مجلة (الأزهر)، حمل عنوان: تأثير الإسلام في العبادة اليهودية، ثم ضمه مع مقالات أخرى في كتابه المعروف بـ (ما يقال عن الإسلام).

وقد بين المؤلف أن تأثر اليهود في فكرهم ودينهم بما حولهم من حضارات ليس بجديد، فقد استطاع جيمس فريزر من خلال دراسته للتوراة، وتعمقه في علم الأنثروبولوجيا أن يحصي ما في التوراة من تقاليد وعادات وتصورات بدائية، وأن يقوم بتحليلها وفحصها، واستبيان كنهها عن طريق المنهج الأنثروبولوجي المقارن.

وقد كان الحكم الإسلامي في الأندلس، بما تميز به من عدل ورحمة، السبب الرئيسي وراء تغلغل التأثير الإسلامي الحضاري إلى أوروبا، وهذا ما اعترف به المستشرق المسيحي استانلي بول في كتابه: (حكم المسلمين في أسبانيا) والذي استشهد به ويل ديورانت، لذا فقد تأثر اليهود تأثيرا بالغا بالبيئة الإسلامية المحيطة بهم، وقد أدت التيارات الروحانية الإسلامية إلى إثارة الحياة الروحية لليهود في البلاد التي امتد إليها الحكم الإسلامي، ونفذت المسائل الدينية التي ثارت في المدارس الإسلامية إلى مدارس الحاخامات اليهود.

كان التأثير الإسلامي في بادئ الأمر على مستوى الفكر الديني والفكر التأملي الفلسفي، فاستفاد الفكر اليهودي من النقاش والبحث الدائر في مجال علم الكلام والفرق الإسلامية، كما اتخذ اليهود لأنفسهم المناهج العلمية العربية فيما يتعلق بالدين والأخلاقيات، والنحو، وتفاسير التوراة، بل أيضا في مجال الشريعة.

وقد انتبه لذلك مستشرق كبير وهو جولد زيهر، حيث يرى أن كتاب: (مشنا توراه) أي: تثنية التوراة، الذي يمثل حجر الزاوية في الشريعة اليهودية بترتيبه وبنائه، ليس سوى ترتيب لمواد الشريعة الضخمة وفق النظام الذي وضعه وسار عليه فقهاء المسلمين، وقد فصل ذلك جولد زيهر في كتابه: (موسى بن ميمون.. حياته ومصنفاته)، وهو أسبق من كتاب نفتالي، ولعله نبهه إلى بحث هذا الموضوع.

وإذا كان ذلك مقبولا في منهج الفهم، أو منهج الترتيب الفقهي للشريعة اليهودية، فالذي لا يعد مقبولا وغريبا في ثقافة اليهود الدينية، هو التقليد في مجال العقائد والعبادات، وهو ما أكدته التوراه في جوهر وصاياها وهو: عدم تقليد الغير، الأمر الذي جعل اليهود يحيطون عباداتهم بسياج لصد أي تأثيرات أجنبية، لكن هذا السياج لم يصمد أمام التأثير الإسلامي في العقيدة والعبادة، وهو ما أسهب في شرحه وتفصيله المؤلف.

تأثر اليهود بأحكام الطهارة في الإسلام:

يبين المؤلف (نفتالي فيدر) أن التأثير الإسلامي في العبادة اليهودية ظهر أساسا بطريقتين:

أولا: باستيعاب عادات تختص بالعبادة لا أساس لها في التقاليد الإسرائيلية.

ثانيا: بإحياء عادات قديمة اندثرت من عند اليهود تحت تأثير أسباب معينة، وأن العادات التي هجرها اليهود بدافع العزلة والابتعاد عن النصرانية عادت ثانية إلى اليهودية بتأثير من الدين الإسلامي.

ولذا تأثرت العبادة اليهودية من حيث الطهارة بتشريعات الإسلام، ومن أبرز ما تأثرت به ما يلي:

1ـ غسل الرجلين للصلاة: فقد جاء في كتاب مشنا توراه، ضرورة غسل الرجلين قبل الصبح، وهي مسألة لا أساس لها في الشرائع التلمودية، وثبت في مصادر محددة أن غسل الرجلين كان شائعا بين يهود بلاد المشرق، وبخاصة تلك البلدان الإسلامية.

2ـ غسل الذراعين، ومسح الأذنين، والمسح على الرأس، والاستنشاق: فقد أحدثت صورة الوضوء الإسلامي هوى في نفوس اليهود، فهم لم يكتفوا بغسل الرجلين فقط، بل أخذوا من الوضوء أمورا أخرى مثل: غسل الذراعين، ومسح الأذنين، والمسح على الرأس، والاستنشاق.

3ـ غسل المحتلم: فقد أخذوه من التشريع الإسلامي، وهو ضرورة الغسل من الاحتلام والجنابة من أجل الصلاة، وقد كان يؤخذ به ويترك، ثم تطور الأمر إلى أن أصبحت الصلاة لا تجوز إلا بهذا الاغتسال، وتمادى يهود مصر فحرموا دخول الكنيس على المحتلم، وهو ما ينص عليه جمهور فقهاء المسلمين، رغم الخلاف بينهم فيها، لكن المشهور عند عوام الناس حرمة ذلك، مما يدل على التأثير في العبادة اليهودية، وبخاصة يهود المشرق والمصريين.

4ـ إلغاء صلاة السر: فقد قام موسى بن ميمون أحد أبرز علماء اليهود في تاريخهم، بإلغاء الصلاة السرية، وقد خالف بذلك شرائع التلمود، ومقلدا للمسلمين في صلواتهم الجهرية، بهدف منع المتكلمين وإبطال الصلاة، وقد استمر العمل بهذه الشعيرة حوالي ثلثمائة عام حتى أبطلها البعض، ولكن بقيت في مصر وفلسطين وسوريا حتى القرن السادس عشر الميلادي.

إصلاحات الحسيدين في الصلاة:

هناك طائفة من اليهود تسمى: الحسيديين، وهو لقب عبري يطلق على جماعة من شيوخ الديانة اليهودية عرفوا بالورع البالغ والزهد الشديد والصلوات، وهم معنيون بالتعبد والتنسك أكثر من الدراسة، وقد شاعت هذه الحركة بين اليهود المغتربين وبخاصة في شرق أوروبا، وامتدت من القرون الوسطى إلى بداية العصر الحديث، وقد كان لهم إصلاحات في مجال التعبد اليهودي، لاحظ الباحث أن كثيرا منها منقول من الدين الإسلامي.

فالأنظمة الحديثة في التعبد والتي نقلها الحبر اليهودي: إبراهيم الميموني، قد نقلت من المسجد إلى الكنيس، وأن فيها ما يعد خروجا جوهريا على نظم الصلاة التقليدية اليهودية، وملاءمتها شعائر العبادة الإسلامية، وهذه الأنظمة هي:

1ـ السجود.

2ـ الجلوس على هيئة البارك.

3ـ استقبال القبلة وقت الجلوس أيضا.

4ـ وقوف المصلين في صفوف.

5ـ بسط اليدين.

ميزة الكتاب: أنه لم ينطلق من تعصب ديني، لينكر ما هو مثبت ومدعم بواقع ملموس في البحث العلمي، وأنه جاء من باحث أكاديمي يهودي، فلا يمكن أن يتهم بالادعاء على ديانته بما ليس فيها، ورحم الله عملاق الأدب والفكر الأستاذ عباس محمود العقاد الذي انتبه للكتاب، ونبه إلى ترجمته، وقد ترجمه: د. محمد سالم الجرح، وقام بنشره: مركز الدراسات الشرقية بجامعة القاهرة، تحت سلسلة بعنوان: فضل الإسلام على اليهود واليهودية.

صدرت بعد هذا الكتاب، عدة كتب تعالج نفس الموضوع من عدة زوايا، لا يمكن التقليل من أهميتها، لكن بلا شك الفضل لمن سبق، من هذه الكتب: الأثر الإسلامي في الفكر الديني واليهودي للدكتور عبد الرزاق أحمد قنديل. و: التاثير الإسلامي في الفكر الديني اليهودي للدكتور محمد جلاء محمد إدريس.

وهناك مجالات أخرى لتأثير التشريع الإسلامي سواء على مستوى الحضارات الغربية قديما، أو على مستوى الحضارة الغربية وقوانينها حديثا، كما في مجال المقارنات التشريعية، والتي كتب فيها علماء أجلاء بينوا مواضع تأثر التشريع الأوربي بالفقه الإسلامي.

وعلى مستوى التقنين الفقهي، فقد تأثر علماء اليهود من أهل الشريعة بطريقة التقنين الفقهي الإسلامي، وخير مثال لذلك: كتاب (جامع الأحكام العبرية) لمؤلفه: دي بفلي، وهو أحد أهل الاختصاص في التشريع العبري، ثم قام بترجمته ومقارنته بالتشريع الإسلامي الأستاذ محمد حافظ صبري، وجعل عنوانه: المقارنات والمقابلات بين أحكام المرافعات والمعاملات والحدود في شرع اليهود ونظائرها من الشريعة الإسلامية الغراء، وقد صدر سنة: 1902م، ولعلنا نعرض له في مقال قادم إن شاء الله.

 

المصدر : الجزيرة مباشر


المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة