تركيا.. حين يسبق الواقع التصورات

جونسون يحيي أردوغان باللغة التركية ويظهر في الصورة الرئيس الأمريكي بايدن ورئيس حلف الناتو (29 يونيو)

ثمة تصوّر عام رائج بشأن السرعة التي انطلقت بها تركيا لنيل مكانتها المستحقة على الساحة العالمية سياسيا واقتصاديا. ومن الخطأ مقاربة الأمر بتصور بسيط، إذ قد نلحظ تصوّرا مغايرا كليا إن أمعنا أكثر في التفاصيل.

استطاعت تركيا رفع حجم صادراتها إلى نحو ثمانية أضعاف تقريبا خلال العشرين عاما الأخيرة، رغم ما تقاسيه الأسواق العالمية حاليا من أزمة اقتصادية خانقة، كما حققت الدولة تقدما ملحوظا في المجال الصناعي من خلال استغلال التراكم المعرفي لديها وتوظيفه لطرح مواد أخرى ذات جودة وتقنية عالية، كما أنّها من خلال جامعاتها التي بلغت 208 جامعات، استطاعت تحقيق طفرة نوعية في توليد رأس مال بشري لا يستهان به، هذا إلى جانب التغيير الذي شهدته البلاد في نمط الحياة عموما نتيجة للخطوات الهامة التي تم اتخاذها، والتطورات التي تُوِّجت بالنجاح في عدد من القطاعات، كقطاع الصحة والنقل والتعليم والصناعة والتكنولوجيا وغيرها.

وفي الوقت الذي أوشكت فيه تركيا على القضاء نهائيا على الإرهاب داخل البلاد، بفضل تطورها في مجال الصناعات الدفاعية، كان لنجاح العمليات التي قامت بها أيضا في كل من أذربيجان وسوريا وليبيا وشرق البحر الأبيض المتوسط والصومال، الأثر الكبير في أن تقدّم نفسها للعالم، على أنها دولة تتمتع بثقل يجعلها قادرة على إحداث تغيير في موازين القوى العالمية في المنطقة. وهو ما قدّمها أيضا بوصفها لاعبا قويّا، سواء أكان ذلك أثناء الصراع في البلقان، أو خلال فترة حصار قطر ومحاولة اجتياحها، إلى جانب دورها البارز في شمال العراق وسوريا.

كل هذا يولّد أيضا الإحساس بمدى قوة تركيا على المستويين المحلي والخارجي، مع الأخذ بعين الاعتبار مستوى الاختلاف في هذا التصوّر وعدم تساويه فيما يراه صديق أو يتخيله عدو.

التأويل السياسي

فـ”التصوّرات” أمر ثابت لا يمكن للمرء أن يدعي فيه ما هو مغاير أو مخالف لما يؤمن به في قرارة نفسه، وإذا فعل ذلك فسيبدو تصنّعه واضحا، كما سيبدو الابتذال جليّا في محاولته تقمّص تصوّر لا يمثّل أفكاره الحقيقية التي يؤمن بها ويعتنقها.

ورغم اندراج الموضوع ضمن مفهوم “التأويل السياسي” الذي قد يطول شرحه، فإنّ فهمه واستيعابه ليسا بالأمر الصعب. ومهما يكن من أمر فالناس إجمالا تستطيع إدراك الغاية التي تسعى وراءها بصرف النظر عن مقدار الجهد الذي قد تبذله في محاولة إيصال فكرة ما؛ لذا فقد تجد حقّك في ارتكاب خطأ ما مسلوبا منك فجأة، وما يجب عليك فعله حقا في هذه الحالة، هو فعل الصواب بطريقة صائبة ونية سليمة.

كذلك، من المهم بمكان تفسير المواقف السويّة أو القرارات الصائبة التي اتخذتها، للأفراد الذين تلاحظ خلوّ مواقفهم من أحكامٍ مسبقة تجاهك، هذا إلى جانب التركيز على أن لا ينحصر ما تحاول إيصاله ضمن النطاق المحلي الضيق أو المحيط الذي لا يوجد فيه غير الداعمين لك في جميع حالاتك، ومع هذا، فلا بدّ من إيصال ما ترغب فيه إلى من ترغب في إيصال إليه بأسلوب سليم وطريقة مناسبة.

تعتبر تركيا حاليا من البلدان التي تحظى باهتمام وفضول وتقدير عالمي يتخطى في حدوده ما يعتقده أو يظنه الأتراك أنفسهم، وخاصة في العالم الإسلامي الذي ينظر دائما إلى تركيا بعين ملؤها الإعجاب والتقدير والفضول والأماني الطيبة.

ومع الأسف، فإن تركيا تعتبر الدولة الوحيدة في العالم الإسلامي التي استطاعت تقديم نموذج ناجح في العالم الإسلامي للوحدة بين الدولة وشعبها، فهي الدولة الوحيدة التي استطاعت تمثيل تطلعات شعبها وتوجّهاته في ذات الوقت الذي تكون فيه مسؤولة أمام هذا الشعب، وهو ما يجعلها الدولة الوحيدة التي تشعر بأنها مُلزمة دائما بتقديم أفضل ما تستطيع لشعبها، أي أنها النموذج المطابق تماما لما تبحث عنه جميع الدول الإسلامية، رغم إدراك تلك الدول مدى صعوبة تحقيق نموذج مماثل، لأن ما يسعى إليه المسؤولون القائمون على شؤون البلاد، ما هو إلا محاولة لفرض إرادتهم بالقوة والجيش بهدف التحكم في الشعب وتوجيهه إلى حيث يرغبون.

ورغم أن القوة التي تتمتع بها تركيا هي إحدى أهمّ ميزاتها، فإنها ليست سمة أبدية إطلاقا.

وحتى حقبة قريبة، لم تكن تركيا نفسها مختلفة كثيرا عن البلدان المشار إليها، فانشغال الجيش لم يكن بالدفاع عن حدود البلاد بقدر ما كان بإقحام نفسه في شؤون السياسة ومعتقدات الناس وتوجهاتهم، وهو ما جعله يقف عاجزا أمام تحوّل قضية إرهابية بسيطة إلى عملاق لم يستطع مجابهته.

قوة عالمية

وفي الوقت الذي أصبحت فيه تركيا قوة عالمية لها مكانتها من الضروري توجيه خطابات لمعالجة عدة أمور في تركيا بدبلوماسية عامة ويجب أن نكون حذرين بشأن هذه الخطابات، خاصة في الخطاب الموجه عبر السينما والمسلسلات، لأنه من الممكن أن يتجه نحو منحى مختلف غرضه إهانة الآخرين وخلق تصورات غير عادلة ولا أساس لها من الصحة.

ولا نغفل هنا أهمية المنظور الإيجابي المتجاوز للعنصرية الذي اتبعته تركيا في انفتاحها على العالم وما أنتجه من نجاحات، لكننا قد نلاحظ اليوم من يتكئ على كل ما تم تحقيقه من إنجازات، دون أن يتعدى هدفهم تغذية النزعة العنصرية المستحكمة داخلهم، فتجدهم ملتصقين كالطفيليات بهذا النموذج الناجح.

لم يكن لتلك النظرة العنصرية أن تجعل من تركيا إحدى القوى العالمية التي تفرض وزنها وثقلها على الساحة الدولية، بقدر ما ساهمت النظرة الشمولية المتجاوزة لتلك التفاصيل في صنع ما وصلت إليه.

ولنكن صريحين أكثر، رغم أنّ هذه النظرة كانت موجودة في تركيا حتى وقت قريب، فإنّ البلاد لم تكن لتقطع كل هذا الشوط الطويل، لو أنها ظلت متمسكة بتلك الأفكار والتصورات.

إن الاستجابة التي لمسناها من الشعوب مؤخرا ومدى التفاعل الكبير مع الأعمال الدرامية التركية، ما هو إلاّ عربون سلام وتقدير لما حققته تركيا من نجاح خلال العشرين عاما الماضية، وهو ما يجب أن يدفعنا إلى التعامل بحرص أكثر مع هذه الأعمال وما تطرحه من مواضيع، بلغة أكثر دقّة وخصوصية، كما لا بدّ للقائمين على الإنتاج الفني من إدراك حقيقة أنّ الرسالة التي تتضمنها عباراتهم وتعابيرهم الجسدية، تتخطى حدود المواطن التركي إلى جميع شعوب العالم المتابع باهتمام وفضول مستمر.

فعدم تقدير قيمة الكلمة أو العبارة حين استخدامها مع الآخر، هو ما يمكن تشخيصه على أنه “أزمة في التعاطف مع الآخر”، وهو ما يمكن ملاحظته لدى من يتصنّعون البطولات الرخيصة التي قد يلجأ إليها أحدهم بتوجيه عبارات مهينة إلى “بارزاني” على سبيل المثال، دون أن يدرك أنّ عباراته تلك، هي في الوقت ذاته، إهانة موجهة إلى نحو 15 أو 20 مليون شخص من شعبنا وإخوتنا الأكراد.

وإذا كان الحال على هذا النحو في الحياة اليومية، فبالتأكيد لا بدّ للمجال الفني أن يتطلب مستوى أعلى وجديّة أكبر في التعاطف، بالرغم مما نشهده حاليا من تحريف وتشويه للواقع.

ولا بدّ ختاما من التنويه بتلك الأحداث المؤسفة التي يتم طرحها مؤخرا تحت غطاء محاربة الهجرة غير الشرعية والمهاجرين، وهي أحداث أقل ما يقال عنها إنها مؤسفة ومنافية تماما للواقع التركي.

من المعيب والمخزي جدا رؤية درجة نفاد الصبر هذه تجاه الشعوب والثقافات الأخرى ضمن حدود بلد يمتلك جميع المقومات التي تخوله طرح لغته وثقافته وعلامته التجارية وحتى مسلسلاته التلفزيونية أمام العالم أجمع.

من المؤسف، أن نلحظ تصرفات كهذه منافية لطبيعة البلاد ولا ترقى إلى مستوى دولة بحجم تركيا.

المصدر : الجزيرة مباشر