إسرائيل بين دعوى المظلومية وخداع الرأي العام العالمي

يعطيك من طرف اللسان حلاوةً * وَيَرُوغُ مِنْكَ كما يَروغُ الثَّعْلَبُ

من جديد تعاود إسرائيل هجومها، وتعيد إلى واقع الصراع آلة القتل الهمجية التي تجاوزت كل حدود العدوانية غير المبررة مرة أخرى. فتخلف وراءها من جديد الأطفال والمدنيين الأبرياء قتلى جراء القصف بقنابل أمطرت على رؤوسهم في غزة، ولا عجب فالصورة مرة أخرى يتوارى في زاويتها صمت عالمي وقح ومتجاهل لما لا يخفى على ذي عينين.

أسفرت الهجمات الإسرائيلية الأخيرة على غزة التي استمرت ثلاثة أيام عن مقتل 44 شخصا، بينهم 15 طفلا، وإصابة 360 آخرين. وفي هذا الصدد لا جدوى من التساؤل عن سبب هجوم إسرائيل هذه المرة، فلم تعد إسرائيل بحاجة حتى إلى طرح أسبابها الخاصة لتبرير تلك الاعتداءات. هذا فضلا عن أن كل ما يدور من أطروحات وتحليلات حول موضوع “خطط وعمليات مفاوضات السلام الإسرائيلية الفلسطينية” التي تنتهك دائما في المباحثات الدولية، قد فقدت قيمتها ومصداقيتها. فكل هذه العمليات العدوانية لا تعني لإسرائيل سوى خداع الرأي العام العالمي وتشتيت انتباهه.

فبينما تستمر في تغييب المجتمع الدولي بتصريحات وقراءات مضللة، تستمر في عمليات الاحتلال والاستيطان حسب الخطة التي وضعتها وإلى المدى الذي تسعى للوصول إليه. وهذا واضح وضوح الشمس، فبينما تواصل إسرائيل ما يسمى بمفاوضات السلام بإحدى يديها، فإنها باليد الأخرى تكثف عمليات توطين اليهود الذين جلبتهم من الطرف الآخر من العالم، وذلك بحوافز تشجعهم على الاستيطان في الأراضي الفلسطينية، وشيئا فشيئا تقل مساحة الأراضي الفلسطينية وتتسع المناطق الواقعة تحت سلطة الاحتلال.

هناك تساؤلات مشروعة لا بد منها، في الوقت الذي يُشرد فيه أصحاب البلد ويُطردون من بلدهم، هل نقول إن الأشخاص الذين يُجلبون من بلاد أخرى لاحتلال ذلك البلد واستيطانه هم المعرضون للضغط؟ بالطبع لا. هل هؤلاء ملزمون بالعيش هنا؟ الإجابة هي لا. أيّ التزام ذلك الذي يمكن أن يكون دافعا لهم ليأتوا ويجعلهم يوافقون على الاستقرار هنا على حساب طرد وتشريد أصحاب البلد الأصليين؟ أي حافز وأي تشجيع؟ من أي نوع يمكن أن يكون؟

عندما نأتي إلى هذه النقطة، يتم تعطيل وتجميد جميع خطابات حقوق الإنسان وموضوعات القومية والعنصرية والتنمية والتنوير. هذا عالم آخر الكيل فيه ليس بمكيال واحد. في هذا الموقف عليك أن تنسى كل ما سمعته عن هذه الخطابات والموضوعات وتلقيها وراء ظهرك، وأهلا بك في الصهيونية إنها أكثر الشرائع تعصبا. لأن كل ما سمعته حتى الآن كان هدفه إقناع العالم بالمجيء إلى هنا، والآن لا حاجة إليه يمكنك إبداء اللامبالاة.

حتى لو ألقينا نظرة إلى هذه المسألة من وجهة النظر هذه فقط، فسنرى تأثير التواطؤ العالمي مع هذا المشروع الاستيطاني وغضه الطرف عنه، حيث انزلق في هوة من الحداثة والعلمانية والتنوير والتمركز حول الغرب. ورغم ذلك فلا يزال هناك من يتغنون بفضائل هذا العالم الحالي مقارنة بالماضي.

البداية

بدأ التصعيد في الأحداث عندما داهم العديد من المستوطنين اليهود المتعصبين، برفقة الشرطة الإسرائيلية، المسجد الأقصى تزامنا مع العيد الديني اليهودي “تيشا بآف” في 9 أغسطس/آب (الذي تُحيَى فيه ذكرى خراب الهيكل عند اليهود)، وحاول الشعب الفلسطيني التصدي لهم، الأمر الذي أدى إلى الاشتباكات الأخيرة بينهم. وفي الواقع، إذا استحضرنا ما حدث في شهر رمضان الماضي، بسبب محاولة مجموعات من اليهود المتعصبين اقتحام المسجد الأقصى بمناسبة عيد يهودي آخر -مما أدى إلى نشوب اشتباكات على أثر ذلك- فسنلاحظ أن اهتمام اليهود بالمسجد الأقصى مؤقت، ولا يقتصر على مجموعة من اليهود المتعصبين الذين ينفذون المداهمات، بل يكون ذلك تحت حراسة الشرطة وحمايتها، وعندما تكون هناك مقاومة، فإن الشرطة الإسرائيلية تقمع وتعتدي على كل من يقاوم، ولا يتوقف الأمر عند ذلك، بل تزيد في عدوانها فتمطر المقاومين بالقنابل ردا على الاعتراضات الخارجة من غزة.

إن القضية المحورية هنا هي مسألة دينية خالصة، وسواء قبلنا بها أم رفضناها، فإنها كذلك بالنسبة لهم، ولن تنتهي لديهم حتى يتمكنوا من هدم المسجد الأقصى بالكامل وإعادة إنشاء ما يسمى بهيكل سليمان مكانه. فهم يعتقدون أنهم يتحركون نحو تلك الغاية خطوة خطوة، وهذا الاعتقاد هو أمر ديني يفترض أنه يحظى بفهم كبير من المجتمع الدولي اليوم.

وعلى الرغم من ذلك فلا يزال بعض المسلمين يلهثون وراء دوائر المستشرقين ويجتهدون في مقاربات تاريخية مغلوطة لتقديم أنفسهم بصفة العقلانيين المستنيرين الذين يدينون بدين منفتح على الجميع ويحترم وجود الآخرين ومقدساتهم. أما الطرف الآخر فيستدعي إلى هذا العصر -تحت رعاية الحداثة- أكثرَ المفاهيم البدائية للشريعة وتاريخها، ويفرضونها بكل وسائل القوة والعنف والدمار والقمع والقتل على البشرية جمعاء والمسلمين خاصة. فتكون المحصلة أننا بينما نبتعد عن تاريخنا الخاص بما تستدعيه أوهام التأريخية/ التاريخانية، فإننا نسقط في ظلمات تاريخهم.

ماذا تعني إعادة بناء معبد تم تدميره قبل 2500 سنة؟ بم سيفيد ذلك البشرية عامة؟ وما الفائدة التي سيقدمها هذا لليهود خاصة؟ غير استدعاء المصائب والكوارث الدنيوية والأخروية؟! وذلك هو ما تعنيه الصهيونية تماما، إنها الرغبة في عكس اتجاه السير، وإعادة عقارب الساعة إلى نقطة البداية، ولو كان ذلك على حساب تعكير صفو السلام والاستقرار في العالم وجميع شعوبه. إنه الاعتقاد المتعصب في الخرافات الزاعمة بإمكانية العودة إلى الوراء إلى نقطة البداية. لقد سارت الإنسانية في طريق يستحيل معه العودة إلى البداية.

كيف سيكون الرد العالمي إذا جاءت فكرة مماثلة من ديانة أو جماعة أخرى، ألن تكون رجعية، أو أصولية، أو متعصبة؟ لكن هذه الفكرة اليهودية الصهيونية ورغبة أصحابها في إعادة البشرية جمعاء إلى نقطة البداية القديمة تلك، قوبلت بفهم واستيعاب عالمي كبير، بل وحتى بتقدير وإعجاب. وبالنسبة لأصحاب الفكرة أنفسهم فإن استدعاء فكرة العلمانية ووجودها ليس ملزما، فصناعة العلمانية هي في الواقع بمثابة درع الحماية الذي تم تطويره لإنهاك قوى جميع الناس في مواجهة اليهود. درع وظيفته خداع الناس وبناء وجهة نظر عالمية على أساس من التهاون واللامبالاة والصمت أمام تنفيذ الخطط الصهيونية الأكثر راديكالية والأكثر أصولية والأكثر تعصبا.

سطوة العلمانية

في الوقت الذي يقبع فيه الجميع في العالم تحت سطوة العلمانية، فإن المواطن الإسرائيلي العادي لديه مهمة أوكلها إليه كتابه المقدس، وفيها قد تعهد بهدم المسجد الأقصى الذي هو مكان عبادة يؤدي فيه أشخاص آخرون صلواتهم، من أجل الوفاء بمهمة إعادة بناء هيكل سليمان في موقعه. وقد شارك النائب الإسرائيلي المتطرف إيتمار بن غفير، الذي كان من بين الأشخاص الذين داهموا المسجد الأقصى، منشورا له بعد الاقتحام قال فيه: “اليوم 9 أغسطس/آب، مشيت مع ابني داود (ديفيد) إلى جبل الهيكل (المسجد الأقصى)، المكان الأكثر قداسة عند اليهود، وقد جئت للتذكير بأن السيادة هنا هي سيادتنا، ولا يمكن للصواريخ ولا للتهديدات أن تمنعنا أو توقفنا”.

وهذا المثال وحده كاف لتوضيح الأسباب الوجيهة التي توجب أن تكون القدس للمسلمين وتحت سلطتهم فقط؛ فالمسلمون وحدهم هم الذين حافظوا على السلام لكل من عاش في القدس عبر التاريخ، لأن الإسلام يحافظ على حقوق الإنسان الأساسية ويصونها لكل الناس بغض النظر عن هوياتهم ومعتقداتهم.

المصدر : الجزيرة مباشر